ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٣٧ - ٣٢٠ - فهذا من الغافلين
الباب التاسع و العشرون
ثم ذكر الرسالة الثالثة في الفرح بالمنن بعد أن قدم الفرح باللّه، فقال: و قال رضي اللّه تعالى عنه مما كتب به لبعض إخوانه:
٣١٨- الناس في ورود المنن عليهم على ثلاثة أقسام.
يعني عوام و خواص و خواص الخواص. ثم ذكر مقام العوام فقال:
٣١٩- فرح بالمنن لا من حيث مبدئها و منشئها: و لكن بوجود متعته فيها.
قلت: و هذا كالبهيمة ليس شأنه و همه إلا نفسه و حسه، و للّه در ابن البنا حيث قال:
|
و اعلم بأن عصبة الجهال |
بهائم في صورة الرجال |
|
ثم ذكر حكمه فقال:
٣٢٠- فهذا من الغافلين.
لأنها أي: النعم إذا أقبلت عليه اشتغل بها عن ذكر معطيها تلذذا و ترفها، و إذا أدبرت اشتغل فكره بطلبها و الحرص عليها، و إذا نالها شغلته متعتها عن شكرها، فيكون ذلك سببا في زوالها. قال تعالى: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [ابراهيم: ٧]، و ربما يصدق عليه قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [الأنعام: ٤٤]، فالآية و إن نزلت في الكفار فحكمها عام، فكل من اشتغل بنعم الدنيا و زخارفها عن ذكر اللّه و ما طلب منه يصدق عليه أنه فرح بما أوتى، فبينما هو منهمك في غفلته مستغرق في شهوته أخذه الموت بغتة، فإذا هو مبلس أي: آيس من الرجوع إليها و من الانتفاع بها، و قد تؤخذ منه قبل موته فتشتد حسرته عليها، و قد تقدم: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرف بفقدانها. ثم ذكر القسم