ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٢٧ - ٣٠٧ - غائبة عن الآثار، فلم تشهد إلا الواحد القهار
[و قال صلوات اللّه و سلامه عليه: لا يشكر اللّه من لا يشكر النّاس][١].
قلت: يصح في اسم الجلالة الرفع على الفاعلية، و النصب على المفعولية، و معنى الأول: اللّه تعالى لا يشكر فعل من لم يشكر الناس و لا يحبه، و على الثاني: من لم يشكر الناس فلا يشكر اللّه: أي فلا يسمى شاكرا للّه. و تقدم حديث النعمان بن بشير: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، و من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه»، ثم بين الجواب عن امتناعها من شكر الواسطة في ذلك الوقت فقال:
٣٠٦- و كانت في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها.
قلت: الاصطلام نعت الحيرة و محل الدهشة و الغيبة أي: كانت رضي اللّه عنها في ذلك الوقت غائبة عن حالها فانية عن حسها كما هو حال الجذب، و قوله في ذلك الوقت يقتضي أنه لم يكن ذلك شانها على الدوام، و إنما هو عارض قهري و وارد إلهي اختطفها عن حسها كما عرض ذلك لخليل اللّه إبراهيم حين عرض له جبريل، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، و أما إلى اللّه فبلى، فلم يلتفت إلى الواسطة، فقال له: سله، فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، و كقوله ٧: «لي وقت لا يسعني فيه غير ربي[٢]»، فكانت عائشة رضي اللّه عنها في ذلك الوقت
٣٠٧- غائبة عن الآثار، فلم تشهد إلا الواحد القهّار.
قلت: و مما يقوي عذرها في شكر اللّه وحده قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: (يا عائشة اشكري اللّه فإن اللّه تعالى قد برأك) فهي راجعة لأمره
[١] - رواه الترمذي( ٤/ ٣٣٩)، و أحمد في المسند( ٢/ ٢٥٨)، و هو حديث صحيح.
[٢] - تقدم تخريجه.