ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥١٤ - ٢٨٢ - فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب و الغفلة، و لا إلى الحظوظ بالشهوة و المتعة
باللّه أفضل من العمل للّه، لأن العمل باللّه مشاهدة، و العمل للّه مراقبة؟ و مقام المشاهدة أعلى من مقام المراقبة، فالصلاة مع المشاهدة أفضل من الصلاة مع المراقبة، و ما ألزمه الخواص غير لازم، ثم عرضته على شيخ شيخنا مولاي العربي ففرح به غاية الفرح و أعجبه يعني اعتراضي على كلام الخواص، و لا يستغرب هذا من الخواص و الشعراني، قال في التسهيل: و إذا كانت العلوم منحا إلهية و مواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين و نزولهم إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، إنما يكون بالإذن و التمكين. أما الإذن في نزولهم إلى الحقوق فبإذن شرعي، إذ حقوق الشريعة كلها موقتة و التمكين منها بحيث لا يعارضه عارض يمنع شرعا أو طبعا. و أما الإذن في نزوولهم إلى أرض الحظوظ فبالإلهام و الإعلام، بحيث يتأنى في الأمر حتى يفهم أنه مراد الحق تعالى. و قد كان شيخ المشايخ الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه في حال سياحته لا يأكل حتى يقال له بحقي عليك إلا ما أكلت. قلت: و كل من كان عنده الفهم عن اللّه لا يتصرف إلا بالإذن من اللّه، و بعض من طبع اللّه على قلبه من جلامدة الفقهاء ينكر هذا، و هو معذور في بلاد الضعف، إذ من جهل شيئا عاداه. و المراد بالتمكين هو صحة الفهم عن اللّه حتى لا يبقى له تزلزل أنه مراد الحق، بحيث لم ير له معارض شرعي و لا عادي، و كذلك الرسوخ في اليقين هو الثبوت في المعرفة في حال إرادة الفعل. و قد ضربت لهذا مثلا: و هو أن رجلا حمل ولده و أنزله في بستان أو دار ثم تركه، فجاء قوم ينازعونه في إذن أبيه له، و يقولون له نزلت هنا بغير إذن، فلا شك أنه إن أقسم باللّه أنه ما نزل إلا بإذن من أبيه كان بارّا في قسمه، فإذن أبيه حين أنزله هناك صريح و لو لم ينطق له بلسانه، و لا يجحد هذا إلا غبي أو مكابر، فاللّه تعالى يمن علينا بالفهم عنه في أمورنا كلها آمين. ثم ذكر مفهوم قوله بالإذن و التمكين فقال:
٢٨٢- فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب و الغفلة، و لا إلى الحظوظ بالشهوة و المتعة.
قلت: أما النزول بسوء الأدب، فهو أن يكون نزولهم في طلب الأجور أو الحروف و هو