ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٤ - ٢٦٧ - و المشتغل به هو الذي أحببته و سارعت إليه، و المشتغل عنه هو المؤثر عليه
|
و إن كنت ذا علم و لم تك عاملا |
فأنت كذى نعل و ليس به رجل |
|
|
جوادك مسبوق إلى كل غاية |
و هل ذو جواد ريء يسبقه البغل |
|
و قد ذيلتها ببيت تكميلا للأقسام فقلت:
|
و إن كنت ذا علم و حال و همّة |
جوادك سباق يصح له الوصل |
|
فإذا حصل المريد ما يحتاج إليه في بدايته من إتقان طهارته و صلاته و صومه، فليشتغل بطاعة ربه، و يعرض عما يشغله عنه، كما أبان ذلك بقوله:
٢٦٧- و المشتغل به هو الذي أحببته و سارعت إليه، و المشتغل عنه هو المؤثر عليه.
قلت: أل موصولة في الموضعين: أي الذي تشتغل به في جميع أوقاتك و تصرف إليه كليتك هو الحبيب الذي تسارع إليه، و أفضل أشغالك ذكره، و ليكن ذكرا واحدا و قصدا واحدا تبلغ مرادك إن شاء اللّه، و الذي تشتغل عنه: أي تغيب عنه هو المؤثر عليه بفتح الثاء: أي هو الذي تركته و آثرت حب اللّه عليه. و الحاصل: أن الذي تشتغل به و تقصده هو الذي أحببته و سارعت إليه، و الذي تغيب عنه هو الذي تركته و آثرت حب اللّه عليه، فلا جرم أن اللّه يبلغك ما تريد: «إنّ اللّه يرزق العبد على قدر همته[١]»، و أنشدوا:
|
إذا العبد ألقى بين عينيه عزمه |
و أعرض عن كل الشواغل جانبا |
|
|
فقد زال عنه العار بالعزم جالبا |
عليه قضاء اللّه ما كان جالبا |
|
و قيل: إن علامة الصادق ألا يرضى بدون الغاية أبدا مع أن الغاية لا تدرك أبدا. و قال الفضيل:
من رأيتموه و كلامه حكمة، و صمته فكرة، و نظره عبرة فلا تهتموا منه، فإنه قد قطع عمره في عبادة، و سلوكه أبدا في زيادة، و من رأيتموه يطيل الأمل، و يسيء العمل، فاعلموا أن داءه عضال انتهى. و أعظم ما يشتغل عنه المريد و يغيب عنه حب الدنيا فإنه سم قاطع، و لا يمكن السير إلى اللّه إلا بصفاء القلوب مع بقاء شيء منها، و قليلها ككثيرها.
[١] - رواه ابن عدي في الكامل( ٤/ ١٨٤)، و أبو نعيم في الحلية( ١٠/ ٧٣).