ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٥ - ٢٥٧ - أشهدك من قبل أن استشهدك، فنطقت بالوهيته الظواهر، و تحققت بأحديته القلوب و السرائر
المذكور و بهائه، أو في حسن ثوابه و جزائه. فتحصل أن وجود الذكر في الظاهر ناشئ، إما عن شهود في الباطن و هو حال المريدين أو العارفين، أو ناشيء عن فكرة، و هو حال الطالبين للجزاء، فإن الناس في الذكر على ثلاثة أقسام: قسم يطلبون الأجور، و قسم يطلبون الحضور، و قسم و صلوا و رفعوا الستور. ثم بيّن وجه كون ذكر الظاهر ناشئا عن شهود الباطن فقال:
٢٥٧- أشهدك من قبل أن استشهدك، فنطقت بالوهيّته الظواهر، و تحققت بأحديّته القلوب و السّرائر.
قلت: الروح في أصل ظهورها في غاية الطهارة و الصفاء، فحين أبرزها اللّه تعالى في عالم الذر كانت عالمة داركة، فأشهدها اللّه تعالى عظمته و جلاله و بهاءه و كمال وحدانيته فقال لها حينئذ: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: ١٧٢]، فكلها أقرت بالربوبية، فلما ركبها في هذا القالب، فمنها من أقرت بذلك العهد، و منها من جهلت و أنكرت، فقد أشهدك الحق تعالى حين كنت في عالم الأرواح ربوبيته و وحدانيته، فعلمتها و حققتها من قبل أن يستشهدك: أي يطلب منك تلك الشهادة، فحين طلبها منك وجد روحك عالمة، فنطقت بإلهيته التي عرفتها في عالم الذر ألسنة الظواهر، و تحققت بأحديته التي شهدتها قبل التركيب القلوب و السرائر، فكل ما ظهر من الإقرار بالربوبية في عالم الشهادة فهو فرع الإشهاد المتقدم في عالم الغيب، و كل ما ظهر من التحقق بالأحدية للقلوب فهو فرع العلم السابق في علم الغيوب، فالواجب على العبد أن يكون جامعا بين إقرار الظاهر و توحيد الباطن، فالأول فرق، و الثاني جمع، و إلى هذا المعنى أشار الجنيد رضي اللّه تعالى عنه بقوله:
|
قد تحققت بسري |
حين ناجاك لساني |
|
|
فاجتمعنا لمعان |
و افترقنا لمعان |
|
|
إن يكن غيّبك التعظ |
يم عن لحظ عياني |
|
|
فلقد صيّرك الوج |
د من الأحشاء داني |
|
ثم بيّن كرامات الذكر المتقدم فقال: