ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٤ - ٢٥٦ - ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود أو فكر
الأعمال التي توجد ثمرتها عاجلا و آجلا هو ذكر اللّه، و ثمرته هو النور الذي يشرق في القلب فيضمحل به كل باطل. و الناس في هذا النور على قسمين: قسم سكن النور قلوبهم فهم ذاكرون على الدوام، و قسم يطلبون وجوده بأذكارهم، و إلى هذا أشار بقوله:
٢٥٤- قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، و قوم تسبق أذكارهم أنوارهم.
قلت: أما القوم الذين تسبق أنوارهم أذكارهم فهم الواصلون، و أما الذين تسبق أذكارهم أنوارهم فهم السائرون الأولون، لهم أنوار المواجهة لا تفارقهم، فهم ذاكرون على الدوام، فإذا أرادوا أن يذكروا باللسان سبقت إلى قلوبهم الأنوار، فكانت هي الحاملة لهم على وجود الأذكار. و أما الآخرون فلهم أنوار التوجه، و هم طالبون لها محتاجون إليها فهم يجاهدون أنفسهم في طلب تلك الأنوار، ثم بين حال الفريقين فقال:
٢٥٥- ذاكر ذكر ليستنير قلبه، و ذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا.
قلت: فالذي ذكر ليستنير قلبه هو الذي يسبق ذكره نوره، فهو من القوم الذين تسبق أذكارهم أنوارهم، و الذي استنار قلبه فكان ذاكرا هو الذي يسبق نوره ذكره، فهو من القوم الذين تسبق أنوارهم أذكارهم و هم العارفون باللّه، لا تجدهم إلا في حضرة اللّه بين ذكر أو فكرة أو نظرة أو إرشاد إلى الحضرة، فقلوبهم ممتلئة بالأنوار، و أرواحهم دائما في حضرة الأسرار. ثم إن وجود الذكر في الظاهر عنوان وجود الشهود في الباطن، إذ لو لا وارد ما كان ورد، و هو الذي أبانه بقوله:
٢٥٦- ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود أو فكر.
قلت: إذا كان الظاهر مشتغلا بذكر اللّه فهو علامة وجود محبة اللّه في الباطن، إذ من أحب شيئا أكثر من ذكره، و لا تكون المحبة إلا عن ذوق و معرفة، فلا يكون ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود: أيّ شهود كان و إن كان لا يشعر بشهوده، فما ذكرت الروح حتى فنيت، و لا فنيت حتى شهدت، فكل من فنى في ذكر اللّه فإن روحه شهدت جمال الحضرة أو تفكرت في جمال