ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩٢ - ٢٥١ - لا يعلم قدر أنوار القلوب و الأسرار إلا في غيب الملكوت، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك
و هو بعيد منها، و من كان واقفا مع أنوار الملكوت لا يعلم قدر أنوار الجبروت، و من نفذ منهما شهد الجميع، و كما لا تظهر الأنوار الغيبية إلا في غيب الملكوت أو الجبروت، كذلك لا تظهر أنوار الملك و هي الأنوار الحسية إلا في عالم الشهادة و هو عالم الحس، و يسمى عالم الملك.
و الحاصل: أن أنوار القلوب هي أنوار الملكوت، و أنوار الأسرار هي أنوار الجبروت و هي غيبية لا يعلم قدرها إلا من ترقى إلى عالم الملكوت أو الجبروت، فحينئذ يدركها و يعلم قدرها علما و حالا، و اللّه تعالى أعلم. تنبيه: قد رأيت كثيرا ممن شرح هذا الكتاب غلط في تفسير الملك و الملكوت و الجبروت، فزعموا أن الملك هو عالم الدنيا، و الملكوت هو عالم الآخرة، و الجبروت ما لا يعلمه أحد و هذا غلط، إذ لو كان كما زعموا ما صح الترقي من ملك إلى ملكوت و إلى جبروت، إذ يلزم على تفسيرهم أن الملك لا يرجع ملكوتا و الملكوت لا يصير جبروتا و هو غير سديد، إذ قد نص كثير من المحققين أن أهل الملكوت لا يرون الملك أصلا، و أهل الجبروت يحجبون عن الملكوت، هكذا ذكره النقشبندي في شرح الهائية. و الصواب أن المحل واحد و هو الوجود الأصلي و الفرعي، فما لم يدخل عالم التكوين من عظمة الباري تعالى فهو عالم الجبروت، و ما دخل التكوين فمن ألحقه بأصله و جمع فيه فهو في حقه ملكوت، و من فرقه و حجب به فهو في حقه ملك، فتحصل أن المحل واحد و الأمر إنما هو اعتباري تختلف التسمية باختلاف النظرة، و تختلف النظرة باختلاف الترقي في المعرفة، فمن وقف مع الكون كان في حقه ملكا، و من نفذ إلى شهود النور الفائض من الجبروت إلا أنه رآه كثيفا نورانيّا و لم يضمه إلى أصله في اللطافة سمي في حقه ملكوتا، و من ضمه إلى أصله و لم يفرق بين النور الكثيف سمي جبروتا، و قد حققت ذلك في قصيدتي التائية و تقدم بعضها، و كذلك في شرح التصلية المشيشية، و اللّه تعالى أعلم.
و لا بد لمن أراد أن تكشف له هذه الأنوار و يدرك هذه المقامات من وجود أعمال و مقاساة أحوال، فإذا عمل عملا و ذاق حلاوة فليستبشر بالفتح الذي هو جزاء السائرين، و هو الذي أشار إليه بقوله: