ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٩١ - ٢٥١ - لا يعلم قدر أنوار القلوب و الأسرار إلا في غيب الملكوت، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك
٢٥١- لا يعلم قدر أنوار القلوب و الأسرار إلا في غيب الملكوت، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك.
قلت: اعلم أن الناس كلهم عندهم النور في قلوبهم، بدليل قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كلّ مولود يولد على الفطرة[١]»: أي على أصل النشأة الأولية، و هي القبضة النورانية، و قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [النور ٣٥]، قال أهل تفسير الظاهر:
أي نور أهل السموات و الأرض، و هو عام في كل موجود فيهما، فقد تحقق أن النور سار في الجميع، فمن الناس من حجب عن هذا النور و عمي عنه، و هو من وقف مع ظاهر الملك و هو قشر الكون و حسه الظاهر، و يسمى عالم الأشباح و لم ينفذ إلى باطنه و هو الملكوت، و يسمي عالم الأرواح، فهذا محجوب عن نوره الباطني لا يرى إلا النور الحسي، لأنه مسجون في سجن الأكوان محصور في ظلمة الحس و الوهم، و من الناس من نفذت بصيرته إلى شهود النور الباطني فيه، و لم يقف مع القشر، بل نفذ إلى شهود اللب، و هو نور الملكوت و أسرار الجبروت، و هو الذي أشار إليه في المباحث بقوله:
|
مهما تعديت عن الأجسام |
أبصرت نور الحقّ ذا ابتسام |
|
هذا النور أيضا الذي تراه قلوب العارفين دون الغافلين، كما أشار إليه الحلاج بقوله:
|
قلوب العارفين لها عيون |
ترى ما لا يرى للناظرينا |
|
فإذا تحققت هذا علمت أنه لا يعلم بالبناء للمفعول: أي لا يظهر قدر أنوار القلوب الغيبية و شرفها، و أنوار الأسرار القدسية و كمالها إلا في غيب الملكوت و الجبروت، فأنوار القلوب لا يعلم قدرها إلا في غيب الملكوت، و هي الأنوار المتدفقة من بحار الجبروت، فمن لم ينفذ إلى شهود الملكوت لم يعلم قدرها، بل لم يعرفها أصلا، و أنوار الأسرار لا يعلم قدرها إلا في غيب الجبروت و هي الأنوار الأصلية الأزلية، و هو ما لم يدخل عالم التكوين، فمن كان محجوبا في عالم الملك لا يعلم قدر أنوار الملكوت و لا يحس بها، بل ينكرها كما شهدناه ممن يدعي الخصوصية
[١] - رواه البخاري( ١/ ٤٥٦)، و مسلم( ٤/ ٢٠٤٧).