ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٤ - ٢٤٧ - الكائن في الكون و لم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته
و العرش و الكرسي في طي قبضتي، ثم يتلاشى الكون و يضمحل و يتصل عالم الملكوت بعالم الجبروت، فلا بقاء إلا للحي الذي لا يموت، و هذا لا يفهمه إلا العارفون الذين غلبت روحانيتهم على بشريتهم، فصاروا روحانيين ملكوتيين، أشباحهم مع الخلق، و أرواحهم مع الحق، فقد وسعك أيها الإنسان الكون، و حصرك من حيث جثمانيتك و بشريتك و هيكلك المحصور، و لم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك، لأن روحك متصلة بعالم الجبروت المحيط، فلما تكثفت و انحصرت في هذا الهيكل لزمتها القهرية، فانحجبت بالحكمة، و تقيدت بالقدرة، فما دامت البشرية كثيفة بحب الشهوات و العوائد فهي محجوبة، فإذا تلطفت بذكر اللّه و انخرق عنها حجاب الحس رجعت إلى أصلها فاتصلت ببحرها، فصار الملكوت و الملك في طي قبضتها، فلم يسعك حينئذ أرض و لا سماء و لا يحصرها عرش و لا فرش، و لذلك قيل: الصوفي لا تقله الأرض و لا تظله السماء. و في الحديث القدسي يقول اللّه تعالى: لم تسعني أرضي و لا سمائي، و وسعني قلب عبدي المؤمن[١]» أي: الكامل و هو العارف، و اللّه تعالى أعلم. فالجبروت:
هو المعاني اللطيفة القديمة التي لم تدخل عالم التكوين، و الملكوت: ما دخل عالم التكوين باعتبار جمعه و لحوقه بأصله، و الملك: ما دخل التكوين و اعتقد فيه الفرق، و أهل الجمع لا ملك عندهم، و إنما عندهم الملكوت و الجبروت، فما داموا يفرقون بين النور اللطيف و النور الكثيف، فعندهم الملكوت و الجبروت، فإذا ضموا كل شيء إلي أصله لم يبق إلا الجبروت، و أهل الفرق أثبتوا الملك بوهمهم و حجبوا به عن اللّه، وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [يوسف: ٢١]. فما دام العبد مسجونا بالكون محصورا في بشريته فهو في سجن الأكوان، فإن نفذت بصيرته و عرجت روحه إلى الملكوت خرج من السجن إلى الفضاء، كما بين ذلك بقوله:
٢٤٧- الكائن في الكون و لم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته.
قلت: ميادين الغيوب: هي ما أدركته الروح حين خرجت من ضيق الأشباح إلى عالم الأرواح،
[١] - تقدم الكلام عليه.