ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٣ - ٢٤٦ - وسعك الكون من حيث جثمانيتك، و لم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك
|
أنت الكمال طريقة و حقيقة |
يا جامعا سرّ الإله بأسره |
|
و قال في المباحث:
|
يا سابقا في موكب الإبداع |
و لا حقا في جيش الاختراع |
|
|
اعقل فأنت نسخة الوجود |
للّه ما أعلاك من موجود |
|
|
أليس فيك العرش و الكرسيّ |
و العالم العلويّ و السّفليّ |
|
|
ما الكون إلا رجل كبير |
و أنت كون مثله صغير |
|
قلت: إنما يكون الإنسان نسخة من العالم أو كونا صغيرا، ما لم تغلب روحانيته على بشريته، و معناه على حسه، و نوره على ظلمته، و أما إن غلبت روحانيته على بشريته و معناه على حسه فقد صار حينئذ ملكوتيّا جبروتيّا، قد استولى على الكون بأسره، و صار هو العالم الأكبر و الكون نسخة منه، و في ذلك يقول ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه:
|
و إنّي و إن كنت ابن آدم صورة |
فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي |
|
إذ الروح لم يسعها أرض و لا سماء، كما بين ذلك بقوله:
٢٤٦- وسعك الكون من حيث جثمانيّتك، و لم يسعك من حيث ثبوت روحانيّتك.
قلت: الروح إذا تصفت و تطهرت من كدرات الحس عرجت إلى عالم الجبروت، فلم يحجبها عن اللّه أرض و لا سماء، و لا فلك و لا عرش و لا كرسي، بل يصير ذلك في جوفها كشيء تافه و هذا أمر مذوق عند العارفين، إذا نظروا إلى الكون بأسره ذاب و رجع ماء، فإذا شربوه صار في قلوبهم كنقطة، و هم متفاوتون في إحاطتهم بالكون، فمنهم من يصير عنده كالبيضة، و منهم من يصير عنده كالخردلة، و ذلك بحسب اتساع النظرة و ضيقها، فكلما جالت الروح في بحر الجبروت صغر الكون عندها حتى لا تحس به، و لذلك قال بعضهم: لو كان العرش في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به، و قال آخر: العرش و الكرسي منطبعان في ترسى. و قال شيخ أشياخنا مولاى عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه: