ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨١ - ٢٤٥ - جعلك في العالم المتوسط بين ملكه و ملكوته، ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، و أنك جوهرة تطوى عليها أصداف مكوناته
عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢]. فتحصل أن الإنسان إذا جال مع النفس في ميدانها فجاهدها حتى هذبها، و طهرها من الأوصاف الحاجبة لها، رجعت نفسه حينئذ إلى أصلها، و هي الحضرة التي كانت فيها، إذ لم تكن بينها و بين الحضرة إلا الحجب الظلمانية، فلما تخلصت منها رجعت إلى أصلها نورا مشرقا في قالب ظلماني، فصارت عنده ياقوتة مكنونة تطوى عليها أصداف المكنونات، كما أبان ذلك بقوله:
٢٤٥- جعلك في العالم المتوسّط بين ملكه و ملكوته، ليعلّمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، و أنّك جوهرة تطوى عليها أصداف مكوناته.
قلت: قد عظم اللّه سبحانه هذا الإنسان، و جعله نخبة الأكوان، اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فيه ملك و ملكوت، و نور و ظلمة، و غيب و شهادة، و عالم علوي و سفلي، و قدرة و حكمة، و حس و معنى، فقد جعلك اللّه أيها الإنسان ناشئا في العالم المتوسط، بين ملكه و هو بشريتك، و ملكوته و هو روحانيتك، أو تقول: بين ملكه: و هو عالم الأشباح، و ملكوته: و هو عالم الأرواح، فلست أيها الإنسان ملكا فقط فتكون كالبهائم و الجمادات، و لا ملكوتيا فقط فتكون كالملائكة، و لكن جعلك مركبا من ملك و ملكوت، لتظهر مزيتك بالمجاهدة و المشاهدة، و لذلك خصصت بالخلافة، و تقدمت لحمل الأمانة، ثم متعت بالنعيم، و النظر إلى وجهه الكريم، ثم انقسمت الناس على قسمين: فمنهم من غلبت بشريتهم على روحانيتهم، و ملكهم على ملكوتهم، و ظلمتهم على نورهم، فبقوا في ظلمة الأكوان، و منعوا من الشهود و العيان، و هم عوام المسلمين. و منهم من غلبت روحانيتهم على بشريتهم، و نورهم على ظلمتهم، و ملكوتهم على ملكهم، و هم الخواص العارفون السائرون إليه بمجاهدة نفوسهم في ميدان الحرب و هو مجال الفرسان، فمنهم السابق المقرب، و منهم اللاحق المحبب، كل واحد على قدر صدقه في محبة سيده. و ظاهر كلام الشيخ أن الإنسان شيء زائد على البشرية و الروحانية، لأنه قال:
جعلك اللّه في العالم المتوسط بين الملك: و هو البشرية، و الملكوت: و هو الروحانية، فيقتضي أنه شيء ثابت بينهما. و التحقيق أن الإنسان هو المجموع من الجسد و الروح، فهو بنفسه عالم