ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٧٨ - ٢٤٤ - لو لا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين
أقلد فيه أحدا، فقد صلينا كثيرا، و صمنا كثيرا، و اعتزلنا كثيرا، و ذكرنا كثيرا، و قرأنا القرآن كثيرا، و اللّه ما عرفنا قلوبنا، و لا ذقنا حلاوة المعاني، حتى صحبنا الرجال أهل المعاني، فأخرجونا من التعب إلى الراحة، و من التخليط إلى الصفا، و من الإنكار إلى المعرفة. فإن قلت: قد قال الحضرمي: قد انقطعت التربية، و ما بقي إلا الهمة و الحال، فعليكم بالكتاب و السنة. قلت: لم يقصد الحضرمي انقطاعها على الأبد، و حاشا الحضرمي أن يتحكم على اللّه و يعجز قدرة اللّه، و إنما أراد أن في زمانه مدعين كثيرين، فحذّر أهل زمانه منهم، و معرفة الحضرمي و زروق رضي اللّه عنهما تنافي هذا القصد، و على تقدير صدورها منهما فليسا بمعصومين، فكل كلام يرد و يقبل إلا كلام صاحب الرسالة صلى اللّه عليه و آله و سلم. و قد وجد بعد الحضرمي رجال كانوا من أهل التربية النبوية بالحال و المقام و الهمة لا يمكن عدهم، و هم موجودون في زماننا هذا، مشهورون كنار على علم، قد هدى اللّه على أيديهم خلقا كثيرا، و خرج على أيديهم من الأولياء ما لا يعلمهم إلا من منّ عليهم بمعرفتهم. قال في لطائف المنن: إنما يكون الابتداء بولي دلك اللّه عليه، و أطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته و عرفك وجود خصوصيته، فألقيت إليه الفياد، فسلك بك سبيل الرشاد، يعرفك برعونات نفسك و دفائنها و كمائنها و دقائقها و يدلك على الجمع على اللّه، و يعلمك الفرار مما سوى اللّه، و يسايرك في طريقك حتى تصل إلى اللّه، يوقفك على إساءة نفسك و يعرفك بإحسان اللّه إليك فتفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب منها و عدم الركون إليها، و يفيدك العلم بإحسان اللّه إليك الإقبال عليه، و القيام بالشكر إليه، و الدوام على ممر الساعات بين يديه. قال:
فإن قلت: فأين من هذا وصفه؟ لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب، فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين، و إنما يعوزك وجدان الصدق في طلبهم، جد صدقا تجد مرشدا، و تجد ذلك في كتاب اللّه قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢]، و قال: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد: ٢١]، فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى اللّه اضطرار الظمآن إلى الماء و الخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك، و لو اضطررت إلى اللّه اضطرار الأم لولدها إذا فقدته، لوجدت الحق منك قريبا و لك مجيبا، و لوجدت الوصول