ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٧٧ - ٢٤٤ - لو لا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين
وصول. قال أبو عثمان الحيري: لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربعة أشياء: في المنع و العطاء و العز و الذل، يعني أنه يكون عنده الذل كالعز، و المنع كالعطاء، لا ينقص منها. و قال محمد بن خفيف رضي اللّه تعالى عنه: قدم علينا بعض أصحابنا فاعتلّ و كان به علة البطن، فكنت أخدمه و آخذ منه الطست طول الليل، قال: فغفوت مرة، فقال لي: نمت لعنك اللّه، فقيل له: كيف وجدت نفسك عند قوله لعنك اللّه؟ قال: كقوله رحمك اللّه. و حكي عن إبراهيم ابن أدهم رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: ما سررت في الإسلام إلا ثلاث مرات معدودات:
كنت في مركب يوما و كان به رجل يحكي الحكايات فيضحك منه الناس، و كان يقول: رأيت وقتا في معركة الترك علجا و يقول: هكذا، و كان يأخذ بلحيتي و يمد يده على حلقي، و الناس يضحكون منه و لم يكن في ذلك المركب عنده أحد أصغر مني و لا أحقر، فسررت بذلك، و يوما آخر كنت جالسا فجاء إنسان فصفعني، و يوما آخر كنت جالسا فجاء إنسان وبال عليّ. و قال بعضهم: حقيقة زوال الهوى من القلب حب لقاء اللّه في كل نفس من غير اختيار حالة يكون عليها، فإذا وجد المريد هذه العلامات في نفسه، فقد خرج من عالم جنسه، و وصل إلى حضرة قدسه، و كان كما قال الشاعر:
|
لك الدهر طوعا و الأنام عبيد |
فعش كلّ يوم من أيامك عيد |
|
و كما قال سيدي أبو العباس بن العريف رضي اللّه تعالى عنه في هذا المعنى:
|
بدا لك سرّ طال عنك اكتتامه |
ولاح صباح كنت أنت ظلامه |
|
|
فأنت حجاب القلب عن سر غيبه |
و لولاك لم يطبع عليه ختامه |
|
|
فإن غبت عنه حلّ فيه و طنّبت |
على مركب الكشف المصون خيامه |
|
|
و جاء حديث لا يملّ سماعه |
شهيّ إلينا نثره و نظامه |
|
|
إذا سمعته النفس طاب نعيمها |
و زال عن القلب المعنّى غرامه |
|
فإن لم يجد المريد هذه العلامات فليستمر على سيره، و لا يمل و لا يفتر، فمن عرف ما قصد هان عليه ما ترك، و هذا الكلام إنما هو مع من أسعده اللّه فوصله إلى شيخ التربية، و أما من لم يصل إليه فلا يطمع في السير أبدا و لو جمع العلوم كلها، و صحب الطوائف كلها، و هذا أمر ذوقي لا