ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٧٠ - ٢٤٠ - التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئا عن شهود عظمته و تجلي صفته
من الجلوس معه؟ فقال: إن حالي مع اللّه تعالى الذل، فكرهت أن أفارق حالي. و قال السهروردي: رأيت شيخنا ضياء الدين أبا النجيب و كنت معه في سفره إلى الشام و قد بعث له بعض أبناء الدنيا طعاما على رؤوس الأسارى من الإفرنج و هم في قيودهم، فمدت السفرة و قال للخادم: احضر الأسارى مع الفقراء، فجاء بهم و أقعدهم على السفرة صفّا واحدا، و قام الشيخ من سجادته و مشي إليهم و قعد معهم كالواحد منهم و أكل و أكلوا، و ظهر لنا على وجهه ما نزل باطنه من التواضع للّه و الانكسار في نفسه و انسلاخه عن التكبر عليهم. و كان الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن سعيد من الفقهاء و العلماء العاملين، بينما هو يوما يمشي في يوم شات كثير الطين، فاستقبله كلب يمشي على الطريق التي كان عليها قال من رآه: رأيت الشيخ قد لصق بالحائط و عمل للكلب طريقا و وقف ينتظره ليجوز، فلما قرب منه الكلب ترك مكانه الذي كان فيه و نزل أسفل و ترك الكلب يمشي فوقه، قال: فلما جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدته و عليه كآبة، فقلت له: يا سيدي رأيتك الآن صنعت شيئا استغربته، كيف رميت بنفسك في الطين، و تركت الكلب يمشي في الموضع النقي؟ فقال لي: بعد أن عملت له طريقا تفكرت و قلت: ترفعت على الكلب و جعلت نفسي أرفع منه، بل هو و اللّه أرفع مني و أولى بالكرامة، لأني عصيت اللّه تعالى و أنا كثير الذنوب و الكلب لا ذنب له، فنزلت له عن موضعي و تركته يمشي عليه، و أنا الآن أخاف من اللّه ألا يعفو عني، لأني رفعت نفسي على من هو خير مني انتهى، نقله الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه. ثم إن التواضع منه ما يكون مجاهدة و تصنعا، و هو مجاهدة أهل اليمين من السائرين، و منه ما يكون اختياريّا حقيقيّا، و هو تواضع العارفين، لأنه ناشئ عن شهود عظمة المعبود، فلا يتخلف إلا في وقت الغفلة و هو قليل، و هو الذي أبانه بقوله:
٢٤٠- التواضع الحقيقيّ هو ما كان ناشئا عن شهود عظمته و تجلّي صفته.
قلت: التواضع الحقيقي: هو تواضع العارفين، لأنه ناشئ عن شهود عظمة الحق و تجلي ذاته