ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٨ - ٢٣٨ - من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبر حقا، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعا فأنت المتكبر
الباب الخامس و العشرون
قال رضى اللّه تعالى عنه:
٢٣٨- من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبّر حقّا، إذ ليس التّواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعا فأنت المتكبّر.
قلت: التواضع هو مجاهدة النفس في وضعها و سقوطها، فهي تريد الرفعة و أنت تريد السقوط، فإذا حققت و نظرت بعين فكرتك وجدت الأشياء كلها مستوية معك في الخلقة و التجلي من النملة إلى الفيل، فالمتجلى في النملة هو المتجلي في الفيلة، فأنت و الكلب في حقيقة الخلقة سواء، و إنما وقع التفضيل في التشريع و الحكمة عند أهل الفرق، فأهل الفرق يرون المزية لأنفسهم عما سواهم، فإذا تساووا بأنفسهم مع الأشياء رأوا أنهم قد تواضعوا، و في الحقيقة إنما تكبروا لأنهم أثبتوا المزية لأنفسهم و رفعوها، ثم أثبتوا لها التواضع، فهم المتكبرون على خلق اللّه حقّا، و العارفون باللّه لم يثبتوا لأنفسهم مزية قط، رأوا الأشياء كلها سواء خلقا واحدا و نورا واحدا، فلم يثبتوا لأنفسهم رفعا و لا وضعا، فهم متواضعون من أول مرة، فتواضعهم حقيقي أصلي، فمن أثبت لنفسه تواضعا و رأى أنها تواضعت دون قدرها، فهو المتكبر حقّا حيث جعل لها قدرا زائدا على خلق اللّه، إذ ليس التواضع و إثباته للنفس إلا عن رفعة لها أولا، فمتى أثبت لنفسك أيها الفقير تواضعا، فأنت المتكبر حقّا، و لا تكون متواضعا حتى ترى الأشياء كلها مثلك أو أحسن منك إن عصيت ربك. قال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه: ما دام العبد يرى في الخلق أشر منه فهو متكبر، و لا يكون متواضعا حتى لا يثبت لنفسه حالا و لا مقالا. و قال بعضهم:
من رأى لنفسه قيمة على الكلب فهو متكبر ممقوت عند اللّه، و إنما يتضع العبد بقدر تحققه بعلو قدر سيده، و النفس إن لم تتصف بالذل و الهوان حقيقة فهي غير مشاهدة لعظمة اللّه، لأن أصل نشأة النفس الضعف و الذل و الهوان، و لا صلاح إلا في الرجوع لأصلها و تبريها من رؤية العز و الجاه، و من تبريها من ذلك. و قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: من رأى نفسه قد تواضعت فهو يحتاج إلى تواضع، و لو تبرأ منها و من تواضعها لكان متواضعا انتهى.