ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٣ - ٢٣٥ - إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
مصابيح الدين و دعائم الإسلام، و هؤلاء المؤمنون حقّا، عباد اللّه المخلصون، فعند ذلك عطف الخليفة على الجنيد و قال: يا أبا القاسم هؤلاء الفقهاء ما جمعوا لك هذا المجلس العظيم و استعدوا لمناظرتك إلا ليقتلوك لو غلبوك، و الآن أنت الغالب عليهم، و أنا آليت على نفسي إن أنت غلبتهم أن أمشي عليهم السيف، فإما أن تعفو عنهم و إما أن يموتوا، فقال: العياذ باللّه يا سيدي أن يموت أحد منهم بسببي، عفا اللّه عنا و عنهم و لا أخذ عليهم في إنكارهم علينا، لأنهم ما ساقهم لذلك إلا الجهل و قلة العلم بما طلبوا، عفا اللّه عنا و عنهم، فانحلّ المجلس على سلام، و لم يمت فيه أحد و الحمد للّه، ثم عطف القاضي على النوري و قال له: يا علي أعجبني حالك و اللّه شهيد أني أحبك، و لكن أسألك سؤال رجل مسترشد فارشدني يرحمك اللّه، فقال: سل عما بدا لك، فإن كان عندي جواب أخبرتك و إلا قلت لك: لا علم لي و لا يعظم ذلك عليّ، ثم سأله عن مسائل عديدة قد تقدم بعضها عند قوله: يا عجبا كيف يظهر الوجود في العدم، فراجعها إن شئت و تركت الباقي لكثرة التصحيف في النسخة التي وقعت بأيدينا، و اللّه تعالى أعلم. فهذه محنة الصوفية التي وقعت في زمن الجنيد، و هذه سنة اللّه في أوليائه و أنبيائه، هم أشد الناس بلاء، و انظر أيضا قضية القطب الشهير شيخ أشياخنا الشيخ ابن مشيش، فقد مات مقتولا كما هو معلوم، و كذلك قضية تلميذه مع القاضي ابن البراء حيث أخرجه من تونس و كتب به إلى عامل مصر و عمل به بينة أنه مشوش و أنه يطلب الملك، فانتصر اللّه له كما هو شأنه سبحانه من انتصاره لأوليائه. و كذلك قضية الغزواني، فإنه لما كملت تربيته و ظهر رشده أرسله شيخه الشيخ التباع يعمر بلده، فسكن بنى زكار جوار ضريح الشيخ ابن مشيش، فلما عمر سوقه و انكبت عليه المخلوقات سعى به إلى السلطان المريني، فأرسل إليه الحرس و أطلعوه مكبلا إلى العرايش، لأن السلطان كان ثم نازلا، ثم أرسل به إلى فارس، فسجن أربعة أشهر أو ستة حتى قدم السلطان إلى فاس، فأطلقه و شرط عليه السكنى معه بفاس فسكن معه، فلما قرب انقراض مدة المرينيين خرج إلى مراكش و قال ذهبت دولة بني مرين، و بقي بمراكش حتى توفى رضي اللّه تعالى عنه. و ذكر التجيبى أن الشبلي رفع إلى السلطان و أخرج أبو يزيد من مدينة بسطام مرارا و هذا أمر شهير. قال بعض الحكماء: إذا أراد اللّه ظهور الحق جعل من خلقه