ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٢ - ٢٣٥ - إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، أي ليعرفون، كذا قال ابن عباس و غيره، و أما قولك: ما أراد اللّه بخلقي؟ فما أراد بي إلا كرامتي، قال تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء: ٧٠]، و أما قولك: أين ربك منك؟ فهو مني حيث أنا منه، لقوله تعالى:
وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، فقال: أخبرني كيف هو معك و معنا في قوله:
وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ قال هو معنا كيفما كنا معه، فإن كنا معه بالطاعة كان معنا بالعون و الهدى إليه، و إن كنا معه بالغفلة كان معنا بالمشيئة، و إن كنا بالمعصية كان معنا بالمهلة، و إن كنا بالتوبة كان معنا بالقبول، و إن كنا بالترك كان معنا بالعقاب، قال: صدقت، فأخبرني أين هو مني؟ فقال: أخبرني أين أنت منه؟ أعلمك أين هو منك؟ قال: صدقت يا علي فيما قلت، و لكن أخبرني بمسألة ثانية قال: و ما هي؟ قال: لم ملت عن يمينك حين سألتك؟ قال: أعز اللّه الفقيه إن المسألة التي سألتني عنها لم يكن عندي فيها جواب لأنني ما سئلت فيها قط و لا سمعتها، فلما سألتني عنها لم يكن عندي ما أخبرك به فيها، فسألت الملك الكريم الذي يكتب في اليمين فقلت له: أتجاوبه أنت؟ فقال لي: لا علم لي، فقلت: حسبي اللّه و فوضت أمري إلى اللّه، فقال: و عن شمالك؟ فقال كذلك، فقلت: و أمامك؟ فقال: سألت قلبي، فقال عن سره عن ربه، ما أجبتك به، فقلت: الحمد للّه شاكرا على الهداية و مقرّا له بالعجز عن إدراك النهاية، فقال له:
يا هذا أتكلمك الملائكة؟ فقال له: ويحك أما ترى رب الملائكة كلمني حين هداني لحجتي و كنت لا أعرفها، فقال له: يا هذا الآن قد صح عندي حمقك و ثبت عندي كفرك و زندقتك فما تريد أن أفعل بك و بأي قتلة تريد أن أقتلك؟ فقال له: و ما الذي تريد أن تفعل بي و أنت قاضي القضاة؟ إن كنت تقضي و لا يقضى عليك فاقض بما شئت، و أي فعل لك؟ فقال له: أنا القاضي المقتضي بما يقضي به أو نقضي بما يقضي به؟ فقال له: أو فهمت خطابا عن القاضي الذي يقضي و لا يقضى عليه؟ قال له: و ما هو؟ قال قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: ٥٤]، فقال له: و ما تريد أنت؟ اقض بما شئت الآن، طبت و طابت نفسي على لقاء ربي، فعند ذلك رد القاضي رأسه إلى المتوكل و قال له: يا أمير المؤمنين اترك هؤلاء، فإن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مسلم. هؤلاء