ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥١ - إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن
بباطن حسرتها، إن رغبتك فيها حلاوة إقبالها زهدتك فيها مرارة إدبارها. قال الشيخ أبو علي الثقفي رضي اللّه تعالى عنه: أف لأشغال الدنيا إذا أقبلت، و أف من حسرتها إذا أدبرت، و العاقل لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان فتنة، و إذا أدبر كان حسرة، و أنشدوا في ذلك:
|
و من يحمد الدنيا لشيء يسرّه |
فسوف لعمري عن قريب يلومها |
|
|
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة |
و إن أقبلت كانت كثيرا همومها |
|
و كتب علي كرم اللّه وجهه إلى سليمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه: مثل الدنيا كمثل الحية ليّن لمسها، قاتل سمها، فأعرض عن كل ما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، و دع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، و كن أسر ما تكون فيها أحزن ما تكون منها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن إلى سرورها أشخص إلى مكروهها، و قيل: الدنيا أحلام منام، و سرورها ظل غمام، أحداثها سهام، و فتنتها طوام: أي أمواج، و سمها اللّه بالوحشة، و قرنها بالفجائع و الدهشة، ثم أوحى لها: يا دنيا تشددي على أوليائي، و توسعي على أعدائي، فمن نظر الدنيا بعين الإنصاف كفاه منها أقل الأوصاف، إذ ليس فيها شيء محمود إلا و قابله شيء مذموم، كالمال بالانصراف و الذهاب، و الشباب بالهرم، و الصحة بالسقم، و الفرح بالحزن، و العز بالذل، و الحياة بالموت.
قلت: حكي عن الولي الصالح سيدي قاسم بن صبيح من قبيلة بني سعيد أنه قصد إذايته بعض الحكام ففر إلى سيدي الغزالي بترغة، فجلس عند ضريحه مشتكيا بلسان حاله، فمد له من القبر بعود الريحان كاغدا مكتوبا لم يجف مداده فيه هذان البيتان:
|
إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة |
فهيّء له صبرا و وسّع له صدرا |
|
|
لأن تصاريف الزمان كثيرة |
فيوما ترى عسرا و يوما ترى يسرا |
|
فمن وقف مع ظاهر الدنيا نادته هواتف باطنها: إنما نحن غرة فلا تغتر، و هذا معنى قوله:
[إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن].
قلت: ظاهرها خضرة حلوة، و باطنها خبيثة مرة قال ٧: «الدنيا خضرة حلوة، و إن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلمّ