ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٨ - ٢١٩ - لا تيأس من قبول عمل لا تجد فيه وجود الحضور، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا
فما ظهر شيء من بحر الجبروت إلا كان نورا من أنواره، و أثرا من أثر صفاته، و قد قال صاحب العينية:
|
فأوصافه و الاسم و الأثر الذي |
هو الكون عين الذات و اللّه جامع |
|
فلذلك تعجب الشيخ من تصور الحجاب في حقه تعالى، مع أن كل ما يبرز من عنصر القدرة كله نور من نور ملكوته، فائضا متدفقا من بحر جبروته، فتحققت الوحدة و انتفى الحجاب بالكلية، فكل موجود نور الحق فيه حاضر موجود، ثم إن الواردات هي الأحوال، و الأحوال نتائج الأعمال في الغالب، فلذلك ذكر الشيخ العمل و أمرك ألا تتركه حيث لم تذق حلاوته، و العمل منه ما يجد العالم ثمرته و هو الحال و الحلاوة، و منه ما لا يجد ثمرته عاجلا فلا ينبغي تركه، و لا ييأس من ثمرته، و لا من قبوله كما أبان ذلك بقوله:
٢١٩- لا تيأس من قبول عمل لا تجد فيه وجود الحضور، فربّما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا.
قلت: قد تقدم قوله: من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو دليل على وجود القبول و لا يقتضي المفهوم أنه إن لم يجد ثمرته فليس بمقبول، بل هو مسكوت عنه، فإن توفرت فيه شروط القبول من جهة الشريعة إن صحبه الإخلاص و التقوى و الإتقان الشرعي فهو مقبول عند اللّه إن شاء اللّه، سواء وجد ثمرته أم لا قال اللّه تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا يقبل اللّه من مسمع و لا مراء[١]»، فإن كنت متقيا للّه في ظاهرك و باطنك على قدر استطاعتك، و مخلصا للّه في أعمالك، ثم لم تجد حلاوة العلم و لا حضور قلبك فيه، و لم تجد ثمرته من أحوال الواجدين و أذواق العارفين، فلا تيأس من قبوله عند اللّه، فليس
[١] - رواه البخاري في الأدب المفرد( ٢١٢)، و أحمد في الزهد( ١٥٩)، و وكيع في زهده( ٣٠٥)، و ابن المبارك في الزهد( ٢٠)، زيادات نعيم بن حماد، و هناد في الزهد( ٦٦)، و البيهقي في الشعب( ١/ ٢٠٥)، و أبو نعيم في الحلية( ١/ ١٨٣)، و الحاكم في المستدرك( ١/ ٤٩٣)، و ابن الجوزي في العلل( ٢/ ٣٥٧)، قلت: و هو صحيح بشواهده. و له شاهد بنحوه عند مسلم( ٤/ ٢٢٨٩)، بلفظ: من يسمع يسمّع اللّه به، و من يرائي يرائي اللّه به.