ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٤ - ٢١٥ - الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، و بعد الوعي يكون البيان فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه القيامة ١٨
و استغرق بذلك إلى أذان الظهر و الناس يبكون، و رأيت العرق ينحدر من جبينه حتى ينحدر على لحيته، و كانت لحيته كبيرة انتهى. و قال في لطائف المنن: و كنت أنا لأمره من المنكرين، و عليه من المعترضين، لا لشئ سمعته منه، و لا لشئ صح نقله عنه، حتى جرت مقاولة بيني و بين بعض أصحابه، و ذلك قبل صحبتي إياه، و قلت لذلك الرجل: ليس إلا أهل العلم الظاهر، و هؤلاء القوم يدعون أمورا عظاما و ظاهر الشرع يأباها، فقال لي ذلك الرجل بعد أن صحبت الشيخ تدري ما قال لي الشيخ يوم تخاصمنا؟ قلت: لا، قال: دخلت عليه فأول ما قال لي هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك، فعلمت أن الشيخ كوشف بنا، قال: و لعمري لقد صحبت الشيخ اثنى عشر عاما، فما سمعت منه شيئا ينكره ظاهر العلم من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى، و كان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني و بين ذلك الرجل: دعني أذهب فأرى هذا الرجل، فصاحب الحق له أمارة لا يخفى شأنها فأتيت إلى مجلسه، فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها، فقال: الأول: إسلام، و الثاني:
إيمان، و الثالث: إحسان. و إن شئت قلت: الأول عبادة، و الثاني عبودية، و الثالث عبودة. و إن شئت قلت: الأول شريعة، و الثاني حقيقة، و الثالث تحقق أو نحو هذا، فما زال يقول: و إن شئت قلت، و إن شئت قلت، إلى أن أبهر عقلي، و علمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر إلهي، و مدد رباني، فأذهب اللّه ما كان عندي إلى آخر كلامه. فهذه الحقائق التي يفيضها الحق تعالى على قلوب أوليائه فينطقون بها تكون أولا مجملة، فإذا حفظت و تقيدت تبين معناها، فمنها ما تدركها العقول و يطابق المنقول، و منها ما لا تفهمها العقول فتكلها إلى أربابها و لا تنتقدها عليهم بمجرد سماعها، و انظر قول ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه:
|
فثم وراء النقل علم يدقّ عن |
مدارك غايات العقول السليمة |
|
و مع هذا كان الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه يقول: إذا عارض كشفك الصحيح الكتاب و السنة فاعمل بالكتاب و السنة ودع الكشف، و قل لنفسك: إن اللّه تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب و السنة، و لم يضمنها لي في جانب الكشف و الإلهام، و مثل هذا أيضا قول الجنيد: إن النكتة لتقع في قلبي من جهة الكشف، فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل: