ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٠ - ٢١٤ - قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه، و إلا فمن أين أنت و وجود قربه؟
و المكان، و لم يبق إلا الواحد المنان. و في البخاري عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «يقول اللّه تعالى: يسبّ ابن آدم الدهر و أنا الدهر بيدي الليل و النهار[١]»، فالوجود الحقيقي إنما هو لذاته و أثر صفاته، تجلى و استتر و اختفى فيما ظهر، فإذا علمت هذا علمت أنه تعالى قريب من كل شيء، محيط بكل شيء، و لا شيء إلا الذي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، لكن حكمة الحكيم أثبتت الحادث و القديم، فمن فتح اللّه عين بصيرته شهد عدمه لوجوده، فأبصر الحق محيطا به و ما حيا لوجوده، و من طمس اللّه عين بصيرته لم ير إلا الفرق و لم يدرك إلا البعد، فإذا أراد اللّه أن يقربه إليه فتح شعاع بصيرته، فيبصر الحق قريبا منه محيطا به. روي أن الشيخ أبا الحسن رضي اللّه تعالى عنه قال يوما بين يدي أستاذه: اللهم اغفر لي يوم لقائك، فقال له شيخه: هو أقرب إليك من ليلك و نهارك، و لكن الظلم أوجب الظلام و سبق القضاء حكم بالزوال عن درجات الأنس و منازل الوصال، و للظالم يوم لا يرتاب فيه و لا يحتال، و السابق قد وصل في الحال: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [مريم: ٣٨] انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه. فمعنى قربك من الحق أن تكون مشاهدا لقربه منك قرب وجود و إحاطة، و ذلك بعد أن تلطفت عواملك، و فنيت دائرة حسك، و حينئذ يتحقق قربك منه، قال تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]، و قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] الآية. و إلا تعتقد هذا، و اعتقدت وجود نفسك و ثبوت حسك الوهمي فلا تشاهد إلا البعد، فمن أين أنت و وجود قربك الحسي من نوره اللطيف حتى تراه بعين الحس؟
فما دمت في عالم الأشباح فأنت بعيد من عالم الأرواح في حال قربك منه، كما قال القائل:
|
و من عجب أنّى أحنّ إليهم |
و أسأل شوقا عنهم و هم معي |
|
|
و تبكيهم عيني و هم بسوادها |
و يشكو النوى قلبي و هم بين أضلعي |
|
[١] - رواه البخاري( ٤/ ١٨٢٥)، و مسلم( ٤/ ١٧٦٢).