ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣ - ٧ - لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، و إن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحا في بصيرتك و إخمادا لنور سريرتك
عَلى أَمْوالِهِمْ [يونس: ٨٨]، أربعون سنة على ما قيل و إن تعين زمنه و لم يقع ذلك عند حلوله فلا تشك في صدق ذلك الوعد فقد يكون ذلك مترتبا على أسباب و شروط غيبية أخفاها اللّه تعالى عن ذلك النبي أو الولي لتظهر قهرية عزته و حكمته و تأمل قضية سيدنا يونس ٧ حيث أخبر قومه بالعذاب لما أخبر به و فرّ عنهم، و كان ذلك متوقفا على عدم إسلامهم، فلما أسلموا تأخر عنهم العذاب، و كذلك قضية سيدنا نوح ٧ حيث قال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ [هود: ٤٥] فوقف مع ظاهر العموم فقال له تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود: ٤٦]، و نحن إنما وعدناك بنجاة الصالح من أهلك، و إن فهمت العموم فعلمنا متسع. و لهذا السر الخفي كان الرسل عليهم الصلاة و السلام و أكابر الصديقين لا يقفون مع ظاهر الوعد، فلا يزول اضطرارهم و لا يكون مع غير اللّه فرارهم بل ينظرون لسعة علمه تعالى و نفوذ قهره و منه قول سيدنا إبراهيم الخليل: وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [الأنعام: ٨٠]، و قول سيدنا شعيب ٧: وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها [الأعراف: ٨٩]، أي في ملة الكفر إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [الأعراف: ٨٩] و قضية نبينا صلى اللّه عليه و آله و سلم يوم بدر حيث دعا حتى سقط رداؤه و قال: «اللهم عهدك و وعدك اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد بعد اليوم[١]»، فقال له الصديق: حسبك يا رسول اللّه فإن اللّه منجز لك ما وعدك فنظر المصطفى صلى اللّه عليه و آله و سلم، أوسع لعدم وقوفه مع ظاهر الوعد و وقف الصديق مع الظاهر فكل على صواب و النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، أوسع نظرا و أكمل علما. و أما قضية الحديبية فلم يتعين فيها زمن الوعد لقوله تعالى: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا [الفتح: ٢٧]، و قد قال صلى اللّه عليه و آله و سلم لعمر حين قال له:
[١] - رواه البخاري( ٣/ ١٠٦٧).