ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤١ - ٦ - لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار لنفسك، و في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد
قلت: الإلحاح في الشيء هو تكرره من وجه واحد، و الدعاء: طلب مصحوب بأدب في بساط العبودية لجناب الربوبية، و الموجب للشيء ما كان أصلا في وجوده، و اليأس قطع المطامع. اعلم أن من أسمائه تعالى القيوم و هو مبالغة في القيام فقد قام تعالى بأمر خلقه من عرشه إلى فرشه و عين لكل مظهر وقتا محدودا و أجلا معلوما و لكل واحد شكلا معلوما و رزقا مقسوما فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: ٣٤]، فإذا تعلق قلبك بحاجة من حوائج الدنيا و الآخرة فارجع إلى وعد اللّه و اقنع بعلم اللّه و لا تحرص ففي الحرص تعب و مذلة. قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه:
الناس تقضي حوائجهم بالحرص فيها و الجري عليها و نحن تقضي حوائجنا بالزهد فيها و الاشتغال باللّه عنها انتهى.
و إن كان و لا بد من الدعاء فليكن دعاؤك عبودية لا طلبا للحظ فإن تركت الحظوظ صبت عليك الحظوظ و إن غلب عليك وارد الطلب و طلبت شيئا ثم تأخر عنك وقت العطاء فيه فلا تتهم اللّه في وعده حيث قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، و لا تيأس من نواله و رفده فإن اللّه قد ضمن لك الإجابة فيما يريد من خير الدنيا و خير الآخرة، و قد يمنعك لطفا بك لكون ذلك المطلب لا يليق بك كما قال الشيخ أبو الحسن: اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا من حيث نعلم بما نعلم فكيف لا نعجز عن ذلك من حيث لا نعلم بما لا نعلم. و قد قال بعض المفسرين: في قوله تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص: ٦٨]، ما موصولة أي و يختار الأمر الذي لهم فيه خيرتهم، و قد يكون أجابك و عين لذلك وقتا هو أصلح لك، و أنفع فيعطيك ذلك في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد و قد يؤخر لك ذلك لدار الكرامة و البقاء و هو خير لك و أبقى. و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ما من داع إلا و هو بين إحدى ثلاث: إما أن تعجل