ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠٦ - ١٩٧ - من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، و أن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، و كان الله على كل شيء مقتدرا
[الكهف: ٤٥]، و أنت من ذلك الشيء، و قال تعالى في حق العصاة: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ و قال تعالى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ [الزمر: ٥٣]، إلى غير ذلك من الآيات. و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لو أذنبتم حتى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثم تبتم لتاب اللّه عليكم[١]»، و ليتذكر من تقدم قبله من أهل الغفلة و العصيان، ثم صار من أهل المشاهدة و العيان، كانوا لصوصا فصاروا خصوصا، كإبراهيم ابن أدهم، و الفضيل بن عياض، و أبي يعزى، و كثير ممن يتعذر حصره، و قد ذكر القشيري في أول رسالته منهم رجالا، قدمهم أولا تقوية لرجاء المذنبين. و ليذكر الرجل الذي قتل تسعا و تسعين نفسا، ثم سأل راهبا عن التوبة فقال له: لا توبة لك فكمّل به المائة، ثم سأل عالما فدله على التوبة، و أمره بالذهاب إلى قرية فيها قوم يعبدون اللّه فقصدهم، فمات بالطريق، فأخذته ملائكة الرحمة، و الحديث في البخاري مطولا. و كذلك الرجل الذي كان لصّا فسأل عابدا هل له من توبة؟ فاستهزأ به و أخذ عرجونا يابسا، و قال له: خذ هذا العرجون فإذا اخضر فقد صحت توبتك، فأخذه بالنية و جعل يعبد اللّه و ينظر إليه فأصبح ذات يوم معسلجا أخضر. قلت: و قد أدركت أقواما كانوا مغروقين في الغفلة و ترك الصلاة، لا يعرفون من الدين المشهور قليلا و لا كثيرا، فضلا عن طريق الخصوص، فانقلبوا و صاروا خصوصا عارفين. و قد أدركت أقواما كانوا منهمكين في الذنوب مغروقين في المعاصي و ظلم العباد، فصاروا من أعظم الصالحين. و قد رأيت نصارى يثغر سبتة، حضروا خلف حلقة الذكر، فانجذبوا و تبعونا حتى أخرجنا الحد الذي بيننا و بينهم، و لو وجدوا سبيلا لأسلموا سريعا. و قد كان بعض إخواننا يقول في شأن نفسه تعجبا من خروجه من غفلته: هذا مدفع النخّاس المدبر، من عنده شيء فليخرجه؟ فلقد رأينه مجذوبا عاريا رأسه، حافيا رجله، فهو اليوم من خواص الأولياء. و الغالب إنما يتفق هذا لمن سقط على صحبة العارفين الذين عندهم الإكسير، و هم موجودون في كل
[١] - لم أقف عليه.