ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠٤ - ١٩٦ - أوجب عليك وجود طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنته
يساقون إلى الجنة بالسلاسل[١]». قال بعض العلماء: يجوز أن يكون معنى التعجب المنسوب إلى اللّه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه لأنه بديع الشأن، و هو أن الجنة التي أخبر اللّه بما فيها من النعيم المقيم، و الخلود في العيش الرغد الدائم، و من حكم من سمع بها من ذوي العقل أن يسارع إليها، و يبذل جهده فيها، و يحتمل المكاره، و المشقات لينالها، و هؤلاء يفرون منها و يرغبون عنها حتى يقادوا إليها بالسلاسل، كما يقاد إلى المكاره العظيمة التي تنفر منها الطباع انتهى. ثم إن الحق سبحانه غني عن الانتفاع بالمنافع، فما أمرك بهذا و نهاك عن هذا إلا لما لك فيه من جلب المنافع و دفع المضار، أوجب عليك وجود طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنته. قال بعض الحكماء: و اعلم أن في الطاعات تفاوتا و درجات، و في المخالفة كبائر و دركات، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما يرى أهل الأرض الكوكب الدّرّيّ في أفق السماء، قيل يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء؟ قال: و الذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه و صدّقوا المرسلين[٢]». و قال آخر: الناس ثلاثة: عبد أطاع اللّه عبودية و شكرا و امتثالا و قياما بحق الخدمة فزاده الوجوب شرفا و علو درجة. و عبد أطاع اللّه تعظيما للموجب، فالوجوب في حقه تنبيه و إظهار للحكمة. و عبد أطاع اللّه خوفا من عذابه و رجاء في ثوابه، و لولا ذلك ما عبده، فالوجوب في حقه لطيف به، و في الكل خير، و شتان ما بينهما انتهى. قلت:
و التحقيق إنما هما قسمان: قسم أطاع على التكليف، و هم أهل التكثيف، و قسم أطاع على التعظيم، و هم أهل التعليم و التعريف. أهل الحجاب أطاعوا خوفا و طمعا، و أهل العيان أطاعوا حبّا و شكرا، و هو مقام الأنبياء و خواص الأولياء، قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أفلا أكون عبدا شكورا[٣]»، فالحكمة عند أهل الباطن في وجوب الخدمة إنما هي إظهار لستر سر الربوبية
[١] - رواه أحمد في المسند( ٥/ ٢٥٦)، و المحاملي في أماليه( ١/ ٤٢٢)، و الرافعي في التدوين( ٤/ ١٢٠)، و أورده ابن رجب في جامع العلوم( ١/ ٣٦٢)، و الحافظ في الإصابة( ٤/ ١٩٦)، و المناوي في الفيض( ٤/ ٢٥٣)، و العجلوني في كشف الخفاء( ٢/ ٧١) به و بنحوه عن أبي أمامة مرفوعا.
[٢] - رواه البخاري( ٣/ ١١٨)، و مسلم( ٤/ ١٧٧).
[٣] - رواه البخاري( ١/ ٣٨٠)، و مسلم( ٤/ ٢١٧١).