ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٠٣ - ١٩٦ - أوجب عليك وجود طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنته
سبحانه على نفسه ما لم يجب عليه، فقال سبحانه و هو أصدق القائلين: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩]، و أنشدوا في هذا المعنى:
|
لو صحّ منك الهوى أرشدت للجبل |
و الصدق سيف ينيل غاية الأمل |
|
|
فكن أخا همّة تسمو بصاحبها |
و لا تكن بالتواني محبط العمل |
|
و كان الربيع بن خيثم يردد هذه الآية و يبكي و هي قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الجاثية: ٢١]، و كان يصيح: ليت شعري من أي الفريقين أنت يا نفسي؟ و هذه الآية تسمى مبكية العابدين.
و قال سهل رضي اللّه تعالى عنه في معنى هذه الآية: ليس أهل الموافقة كأهل المخالفة، أهل الموافقة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]، و أهل المخالفة في عذاب السعير انتهى. و لما ذكر حكمة توقيت الطاعة ذكر حكمة إيجابها على عباده فقال:
١٩٥- علم قلة نهوض العباد إلى معاملته، فأوجب عليهم وجود طاعته، فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب، عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنّة بالسلاسل.
١٩٦- أوجب عليك وجود طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنته.
قلت: هذه حكمة التشريع، لكنه ما ذكر إلا حكمة أهل الظاهر. حاصلها: أن الحق سبحانه من حكمته لما علم من عباده قلة النهوض إلى معاملته لأنه قال: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣]، و قال أيضا: وَ قَلِيلٌ ما هُمْ [ص: ٢٤]، فلما علم ذلك أوجب عليهم طاعته، و أوعدهم على تركها بالعقوبة، فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب، ثم ذكر الشيخ حديثا ورد في شأن الأسارى إشارة إلى أن العبد لا اختيار له، فهو أسير في يد قدرة القدير، و الحديث مشهور و هو قوله ٧: «عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل»، لأنه صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يدعو إلى اللّه و إلى دخول حضرته فمن وافقه نجا، و من خالفه جعل له السلسلة في عنقه و ساقه إلى حضرة ربه، و لفظ الحديث: «عجب اللّه من قوم