ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٩٢ - ١٨٨ - ربما عبر عن المقام من استشرف عليه، و ربما عبر عنه من وصل إليه، و ذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة
|
الرّاح شيء شريف أنت شاربه |
فاشرب و لو حمّلتك الرّاح أوزارا |
|
|
يا من يلوم على صهباء صافية |
خذ الجنان و دعني أسكن النّارا |
|
فقال بعض فقهاء الظاهر: لا يجوز قراءة هذه الأبيات، فقال الشيخ مكين الدين: قل و دعه، فإنه رجل محجوب، يعني أنه لا يفهم إلا الشراب الحسي دون المعنوي و هو جمود، و اللّه تعالى أعلم.
ثم إن العبارة لا تدل على حال المعبر، فقد يكون فوق ما يقول، و قد يكون دون ما يقول، كما أشار إلى بيان ذلك بقوله:
١٨٨- ربّما عبّر عن المقام من استشرف عليه، و ربّما عبّر عنه من وصل إليه، و ذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة.
قلت: العبارة لا تدل على نهاية المعبر، و لا وصوله إلى ما عبر عنه، فقد يعبر عن المقام من لم يصل إليه، و لكن استشرف عليه، و قد يعبر عنه من وصل إليه، و ربما عبر عن المقام و قدمه فوق ما عبر عنه، و ذلك ملتبس، إذ لا يعرف المستشرف من الواصل إلا ذو بصيرة نافذة، يعني من فتح عليه في المعرفة، فكل من فتح عليه في معرفة اللّه و رفع عنه الحجاب عرف كلام الواصل من المستشرف، فليس من خالط البلد و وصفها ثم نعتها كمن استشرف عليها، و لم يدخلها ثم جعل ينعتها. قال بعضهم: و قد يعرف المستشرف بطول التعبير، و الواصل باختصاره، فالمستشرف يطول العبارة و يكررها، و الواصل من أول مرة يدركها، و قد قالوا: العارف بالضرب لا يكثر الهنى، و العارف بالمفاصل لا يكثر الحنى. قلت: و هذه القاعدة ليست كلية، إذ كثير من العارفين الواصلين تطول عبارتهم لمعرفتهم بمفاصل الخطاب، و من المستشرفين من تقصر عبارتهم. قال المؤلف رضي اللّه تعالى عنه: الاستشراف و الوصل ليس إلا مراتب التوجه للتحقق بالعجز، فمن وصل لمعرفة العجز عن الوصول فهو الواصل، لكن العجز لا يكون إلا بعد الاتصاف به حقيقة لا مجازا، و ذلك أن الجاهل عجزه حالي قهري، و العارف عجزه جلالي رحماني: قلت: المراد بالعجز في حقه الحيرة و الدهش أولا، ثم العجز عن الإحاطة و الكنه ثانيا، ثم قال: يشهد لذلك أن الجاهل متى تحرك وقع في الحظوظ، و العارف لا يتحقق إلا