ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨٢ - ١٨١ - من عبر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، و من عبر من بساط إحسان الله له لم يصمت إذا أساء
الواجب و المستحب، كأداء الزكاة، و إطعام الجائع، و ستر العريان، و إغاثة الملهوف، و غير ذلك من أنواع الإحسان، و إذا أقامه الحق تعالى في نشر العلم الظاهر فعلامة إقامة الحق فيه تعليمه للّه، و نفع عباد اللّه، و الزهد في الدنيا، و الرغبة فيما عند اللّه، و التواضع و الصبر على جفاء المتعلمين، و هكذا سائر الحرف إذا كان فيها على المنهج الشرعي، فلا ينتقل عنها بنفسه، و إذا أقامك الحق تعالى في التجريد فالزم الباب، و تحلّ بالآداب حتى يفتح لك الباب، فعلامة إقامته إياك فيه حصول نتائجه، و هي الترقي في الأحوال و المقامات، حتى تبلغ النهايات، و المقامات هي التوبة و التقوى و الاستقامة، و الزهد و الورع و الخوف، و الرجاء و الرضا و التسليم، و الإخلاص و الصدق و الطمأنينة، و المراقبة و المشاهدة و المعرفة، و كل مقام له علم و عمل و حال، فأوله علم و ثانيه عمل، و ثالثه حال ثم مقام، فإذا بلغ إلى مقام المعرفة و تمكن فيها انقطعت المقامات. قال بعضهم: في بحر التوحيد غاصت الأحوال و انطمست المقامات: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢]. فحينئذ يغمس في بحر الإحسان، فإذا عبر من بساط إحسان اللّه له لم يصمت إذا أساء، كما أبان ذلك بقوله:
١٨١- من عبّر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، و من عبّر من بساط إحسان اللّه له لم يصمت إذا أساء.
قلت: أهل التعبير و هم أهل التذكير الذين يذكرون عباد اللّه و يعبرون عما منحهم اللّه به من العلوم و المواهب و الفتوحات و الكرامات على قسمين: علماء و عارفون. أو تقول: أهل الحجاب، و أهل الفتح؛ فأهل الحجاب يعبرون من بساط إحسان أنفسهم، فيقولون: فعلنا كذا و رأينا كذا و فتح علينا في كذا، و افعلوا أيها الناس كذا و اتركوا كذا، فإذا وقعوا في زلة أو هفوة سكتوا حياء من اللّه، و خوفا أن يأمروا بما لم يفعلوا، لأنهم باقون مع نفوسهم، محجوبون عن ربهم، فإذا فعلوا طاعة فرحوا بها و اعتمدوا عليها، و إذا فعلوا زلة حزنوا و جزعوا و سقط في أيديهم، فلما عبروا من بساط إحسان نفوسهم أصمنتهم الإساءة، و أهل الفتح من العارفين يعبرون من بساط إحسان الحق غائبين عن شهود الخلق، فانون عن أنفسهم، باقون بربهم،