ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨١ - ١٨٠ - من علامات إقامة الحق لك في الشيء إدامته إياك فيه مع حصول النتائج
حضرته، و لكن لا يشعرون، و هي أعظم من العقوبة في الحس. و الحاصل: أن أهل الاستقامة الظاهرية كرامتهم ظاهرية حسية، و أهل الاستقامة الباطنية كرامتهم باطنية معنوية، أهل الظاهر من آذاهم عوقب في الظاهر، و أهل الباطن من آذاهم عوقب في الباطن، و قد لا يعاقب لأنهم رحمة، كل من قرب منهم شملته الرحمة كان قربه تسليما أو إنكارا، هم قوم لا يشقى جليسهم على قدم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم حيث قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون[١]»، و كل ولي أراد اللّه تعالى أن ينتفع الناس على يده لا يعاجل بالعقوبة من آذاه اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، حيث خيره ملك الجبال فحلم صلى اللّه عليه و آله و سلم و عفا، و قال: «لعل اللّه أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا اللّه[٢]»، و اللّه تعالى أعلم. و أعظم الكرامة الفهم عن اللّه، و الرضا بقضاء اللّه، و ترك التدبير و الاختيار مع اللّه، و إقامة العبد حيث أقامه اللّه، كما أبان ذلك بقوله:
١٨٠- من علامات إقامة الحقّ لك في الشيء إدامته إيّاك فيه مع حصول النتائج.
قلت: إذا أقام الحق تعالى عبده في حالة لا يستقبحها الشرع، و لا يذمها سليم الطبع، فلا ينبغي له الانتقال عنها بنفسه، حتى يكون الحق تعالى الذي أدخله فيها، هو الذي يتولى إخراجه منها، وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء: ٨٠]، فالمدخل الصدق أن تدخل في الشيء باللّه لا بنفسك، و المخرج الصدق أن تخرج منه باللّه لا بنفسك، فإذا أقامك الحق تعالى في الأسباب فلا تخرج منها بنفسك فتتعب، فامكث حتى يخرجك الحق تعالى بإشارة صريحة من شيخك، أو من هاتف من عند ربك، و قد تقدم هذا في أول الكتاب. و من علامة إقامة اللّه تعالى لك في ذلك الشيء الذي أنت فيه إدامة الحق إياك في ذلك الشيء مع حصول النتائج، و سلامة الدين، و المراد بالنتائج ما يترتب عليه من إعطاء حقه
[١] - رواه البخاري( ٣/ ١٢٨٣)، و مسلم( ٣/ ١٤١٧).
[٢] - رواه البخاري( ٣/ ١١٨٠)، و مسلم( ٣/ ١٤٢٠).