ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨ - ٤ - أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك
و هذا [القسم[١]] هو مفهوم قول الشيخ «فما قام به غيرك» إذ مفهومه أن ما لم يقم به عنك و هو الطاعة لا يضرك تدبيره[٢]. و لذلك قال إبراهيم الخواص رضي اللّه تعالى عنه: العلم كله في كلمتين لا تتكلف ما كفيت و لا تضيع ما استكفيت فقوله: لا تتكلف ما كفيت هو القسم الأول المذموم، و قوله: و لا تضيع ما استكفيت هو القسم الثاني المطلوب. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: و كل مختارات الشرع و ترتيباته ليس لك منه شيء إنما هو مختار اللّه لك و اسمع و أطع، و هذا محل الفقه الرباني و العلم الإلهامي و هو أرض لتنزل عليه الحقيقة المأخوذة عن اللّه تعالى لمن استوى انتهى. و قوله: «لمن استوى»، أي كمل عقله و تمت معرفته، و استوت حقيقته مع شريعته لكن لا ينبغي الاسترسال معه فيشغله[٣] عن اللّه.
و أما القسم المباح: فهو التدبير في أمر دنيوي أو طبيعي مع التفويض للمشيئة و النظر لما يبرز من القدرة غير معول على شيء من ذلك و عليه يحمل قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «التدبير نصف العيش[٤]»، بشرط ألا يردده المرة بعد المرة، فالقدر المباح منه هو مروره على القلب كالريح يدخل من طاق و يخرج من أخرى، و هذا هو التدبير باللّه و هو شأن العارفين المحققين. و علامة كونه باللّه أنه إذا برز من القدرة عكس ما دبر لم ينقبض و لم يضطرب بل يكون كما قال الشاعر:
|
سلّم لسلمى و سر حيث سارت |
و اتبع رياح القضاء و در حيث دارت |
|
و قال في التنوير فائدة: اعلم أن الأشياء إنما تذم و تمدح بما تؤدي إليه، فالتدبير المذموم ما شغلك عن اللّه و عطلك عن القيام بخدمة اللّه و صدك عن معاملة اللّه،
[١] - ما بين[] ساقط من المطبوع.
[٢] - الضمير عائد على الحق تعالى.
[٣] - الضمير عائد على العلم الإلهي الذي قد يقطع السالك إذا وقف عنده.
[٤] - رواه القضاعي في الشهاب( ١/ ٥٤)، و الديلمي في الفردوس( ٢/ ٧٥).