ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٧٨ - ١٧٨ - تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه، و تحقق بذلك يمدك بعزته، و تحقق بعجزك يمدك بقدرته، و تحقق بضعفك يمدك بحوله و قوته
فهذا هو التعلق بوصف الربوبية، و التعزز باللّه لا يفنى عزه، قال اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]، و من تعزز باللّه ذل له كل شيء، و قد حج شيبان الراعي رضي اللّه تعالى عنه مع سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه فلما كانا في البرية عرض لهما سبع، فأخذ سفيان خارج الطريق و مضى إليه شيبان، ثم عرك أذنه، فلم يزد أن حرك ذنبه، و بصبص و انصرف، فقال له سفيان: ما هذا يا شيبان؟ فقال له: لو شئت أن أركبه إلى مكة لفعلت. و كانت عجوز تأتي كل يوم لبيت السري السقطي رضي اللّه تعالى عنه فنكنس بيته، و تسوق له بعض القوت، فسئل من هي؟ فقال: الدنيا سخرها اللّه لي لما زهدت فيها، و في هذا المعنى ورد الحديث «يقول اللّه تعالى للدنيا: يا دنيا اخدمي من خدمني، و أتعبي من خدمك[١]». و قال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه: من طلب الفقر استقبله الغنى، و من طلب الغنى استقبله الفقر، و الغنى هو الغنى باللّه. و قال سهل رضي اللّه تعالى عنه: لم يشم رائحة اليقين من ركن لغير اللّه. و قال أبو تراب رضي اللّه تعالى عنه: رأيت شابا في البادية يمشي بلا زاد، فقلت: في هذا الموضع بلا زاد؟ قال: لست أرى غير اللّه، فقلت: اذهب الآن حيث شئت. و قال إبراهيم الخواص رضي اللّه تعالى عنه: لقيت فقيرا في البادية، فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى مكة، قلت: بلا زاد و لا راحلة؟ فقال: الذي يمسك السموات و الأرضين و يحفظها لا يعجزه قوتي بلا سبب و لا علاقة، فقلت: صدقت، ثم رأيته بعد ذلك في مكة و هو يطوف و يقول:
|
يا عين سحّي أبدا |
يا نفس موتى كمدا |
|
|
و لا تحبي أحدا |
إلا الإله الصمدا |
|
فلما رآني قال لي: ما زلت على ضعف يقينك؟ فقلت: لا، بل و أعلم أن اللّه على كل شيء قدير انتهى.
[١] - رواه أبو نعيم في الحلية( ٣/ ١٩٤)، و الحاكم في معرفة علوم الحديث( ١٠١)، و القضاعي في الشهاب( ٢/ ٣٢٥)، و الديلمي في الفردوس( ٥/ ٢٣٩)، و المزي في تهذيب الكمال( ٥/ ٨٧).