ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦٦ - ١٦٩ - عنايته فيك لا لشيء منك، و أين كنت حين و اجهتك عنايته، و قابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، و لا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال و وجود النوال
و ينظرون إلي، من سلك طريقهم أحببته، و من عدل عنهم مقته، قيل: يا ربنا و ما علامتهم؟ قال:
يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه، و يحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أو كارها عند الغروب، فإذا جنّهم الليل، و اختلط الظلام، و فرشت الفرش و نصبت الأسرة، و خلا كل حبيب بحبيبه، نصبوا إلى أقدامهم، و افترشوا إلى وجوههم، و ناجوني بكلامي و تملقوا إلي بإنعامي، فمن صارخ و باك، و من متأوّه و شاك، و من قائم و قاعد، و من راكع و ساجد، بعيني ما يتحملون من أجلي، و بسمعي ما يشكون من حبي، أول ما أعطيهم ثلاثا:
أقذف في قلوبهم من نوري، فيخبرون عني كما أخبر عنهم. و الثانية: لو كانت السموات و الأرض و ما فيهن من موازينهم لاستقللتها لهم، و الثالثة: أقبل عليهم بوجهي أترى من أقبلت عليه بوجهي يعلم أحد ما أريد أن أعطيه» انتهى. و قال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه:
غيبني الشوق يوما فقلت: يا رب إن أعطيت أحدا من المحبين ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضرني القلق، فرأيت في النوم كأنه أوقفني بين يديه و قال: يا إبراهيم أما استحبيت مني أن تسألني أن أعطيك ما يسكن قلبك قبل لقائي؟ و هل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه؟ فقلت: يا رب تهت فلم أدر ما أقول فاغفر لي و علمني ما أقول، فقال: قل اللهم رضّني بقضائك، و صبّرني على بلائك، و أوزعني شكر نعمائك. و منهم من تغلب عليه السكينة في القلب، لأن العلم و اليقين يوجبان السكون و الطمأنينة، فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]، و منهم من يغلب عليه الدهشة و الحيرة. قال بعضهم: أعرف الناس باللّه أشدهم تحيرا فيه، و في الحديث: «اللّهمّ زدني فيك تحيّرا[١]». و منهم من يغلب عليه التواضع و الخضوع و الذل و الانكسار. قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: العارف كالأرض يطؤها البار و الفاجر، و كالسحاب يظل الأحمر و الأبيض، و كالمطر يسقى الماشي و الراشي. و منهم من تتسع معرفته و يخوض بحار التوحيد، فلا يكدره شيء، و لا يسلط عليه شيء، بل يأخذ النصيب من كل شيء، و لا يؤخذ من نصيبه شيء،
[١] - لم أقف عليه.