ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦٥ - ١٦٩ - عنايته فيك لا لشيء منك، و أين كنت حين و اجهتك عنايته، و قابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، و لا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال و وجود النوال
|
و كنت قديما أطلب الوصل منهم |
فلما أتاني العلم و ارتفع الجهل |
|
|
علمت بأن العبد لا طلب له |
فإن قربوا فضل و إن بعدوا عدل |
|
|
و إن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم |
و إن ستروا فالسّتر من أجلهم يحلو |
|
و قال آخر:
|
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى |
بنفائس الأموال و الأرباح |
|
|
و ظننت جهلا أن حبّك هيّن |
تفنى عليه كرائم الأرواح |
|
|
حتى رأيتك تجتبي و تخصّ من |
تختاره بلطائف الإمناح |
|
|
فعلمت أنّك لا تنال بحيلة |
فلويت رأسي تحت طيّ جناحي |
|
|
و جعلت في عشّ الغرام إقامتي |
فيه غدوّي دائما و رواحي |
|
و لهذا لم يلتفت قلب العارف لخوف و لا رجاء، و لم يبق له في نفس غير وجه اللّه حاجة.
فتحصل أن الولاية و هي سر العناية لا تنال بحيلة و لا تدرك بطلب، لكن من سبقت له العناية يسر لما أريد منه. قيل لذي النون: بم عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، و لو لا ربي ما عرفت ربي انتهى. و قيل لعلي كرم اللّه وجهه: هل عرفت اللّه بمحمد أو عرفت محمدا صلى اللّه عليه و آله و سلم باللّه، قال: لو عرفت اللّه بمحمد ما عبدته و لكان محمد أوثق فيّ من اللّه، و لكن اللّه عرفني بنفسه، فعرفت محمدا باللّه، و هنا انتهت معرفة العارفين، أعني حين تحققوا بسابق القدر غابوا عن أنفسهم في وجود معروفهم، فاستراحوا و استظلوا في ظل الرضا و التسليم، و هبّ عليهم من جنات المعارف نسيم، لكن اختلفت أحوالهم في حال نهايتهم: الماء واحد و الزّهر ألوان
فمنهم من يغلب عليه الهيبة و الحياء. قال بعضهم: من ازدادت معرفته باللّه ازدادت هيبته له، و من كان باللّه أعرف كان له أخوف، و فيهم قال اللّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨]، و منهم من يغلب عليه الشوق و الاشتياق. قال بعضهم: من عرف اللّه اتّسم بالبقاء، و اشتاق إلى اللقاء، و ضاقت عليه الدنيا بحذافيرها.
و قال السري: أجلّ مقام العارف الشوق، يقول اللّه تبارك و تعالى: «إن لي عبادا من عبادي أحبهم و يحبوني، و أشتاق إليهم و يشتاقون إلي، و أذكرهم و يذكروني، و أنظر إليهم