ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦٤ - ١٦٩ - عنايته فيك لا لشيء منك، و أين كنت حين و اجهتك عنايته، و قابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، و لا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال و وجود النوال
١٦٩- عنايته فيك لا لشيء منك، و أين كنت حين و اجهتك عنايته، و قابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، و لا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال و وجود النّوال.
قلت: مما تواترت به الأخبار و النقول، و وافق المنقول المعقول أن ما شاء اللّه يكون، و ما لم يشأ ربنا لم يكن، و مشيئته تعالى قديمة لأنها عين إرادته، و إرادته على وفق علمه، و علمه قديم، فكل ما يبرز في عالم الشهادة فإنما هو ما قدره الحق في عالم الغيب: «جفت الأقلام و طويت الصحف»، قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الحديد: ٢٢] أي نظهرها، فلا سعادة و لا شقاء إلا و قد سبق بهما القدر و القضاء، السعيد من سعد في بطن أمه، و الشقي من شقي في بطن أمه، و قد تقدم قوله: ما من نفس تبديه إلا و له قدر فيك يمضيه، فإذا علمت ذلك أيها الإنسان اكتفيت بعلمه السابق عن طلبك اللاحق، و بقي طلبك عبودية، و أدبا مع الربوبية، و إلا فعنايته فيك سابقة على وجودك لا لشيء منك تستحق به عنايته و منته، و أين كنت حين واجهتك عنايته في أزله، حين سبقت لك منه العناية، و كتبك في جملة أهل الرعاية و الهداية؟ ثم لما استنطقك يوم الميثاق أقررت بربوبيته، و أين كنت حين قابلتك رعايته و حفظه، و أنت في ظلمة الأحشاء حين أجرى عليك رزقه من عرق الدم، و حفظك في ذلك المستودع حتى اشتدت أعضاؤك، و قويت أركانك؟
فأخرجك إلى رفقه، و ما يسر لك من رزقه، لم يكن في أزله حين واجهتك عنايته، و لا في مستودعك في الرحم حين قابلتك رعايته، إخلاص أعمال و لا وجود أحوال، تستحق بهما وجود النوال، بل لم يكن في ذلك الوقت إلا محض الإفضال و عظيم النوال.
قال الواسطي رضي اللّه تعالى عنه: أقسام قسمت، و نعوت أجريت، كيف تستجلب بحركات أو تنال بمعاملات؟ و قال الشاعر:
|
فلا عمل مني إليه اكتسبته |
سوى محض فضل لا بشيء يعلل |
|
و قال آخر: