ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥٩ - ١٦٥ - و إنما احتجب لشدة ظهوره و خفي عن الأبصار لعظيم نوره
الحكمة الثالثة: شدة نوره، و لا شك أن شدة النور موجب لعدم الإدراك، فإن البصر لا يقاوم النور الباهر، و في حديث مسلم في قصة الإسراء: «قلنا يا رسول اللّه هل رأيت ربك؟ قال: نور أنّى أراه؟[١]»، بلفظ الاستفهام: أي غلبني النور كيف أراه، و في رواية «رأيت نورا[٢]»، فيحمل على أنه أول مرة رأى نورا، ثم لم يطق مشاهدته بالبصر مع تحقق شهوده بالبصيرة، و انظر أيضا البرق الخاطف، فإن البصر لا يطيق رؤيته، و أنشدوا:
|
بالنور يظهر ما ترى من صورة |
و به وجود الكائنات بلا امترا |
|
|
لكنه يخفى لفرط ظهوره |
حسّا و يدركه البصير من الورى |
|
|
فإذا نظرت بعين عقلك لم تجد |
شيئا سواه على الذوات مصوّرا |
|
|
و إذا طلبت حقيقة من غيره |
فبذيل جهلك لا تزال معثّرا |
|
و هذا النور الذي نتكلم فيه ليس هو حسيّا، و إنما هو ما يبدو من معاني الصفات و الأسماء التي تخرج من ظلمة الجهل إلى معرفة أسمائه و صفاته، قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه.
قلت: هو النور الأصلي الذي فاض من بحر الجبروت إلا أنه تستر بالحكمة و العزة و القهرية.
سئل أبو القاسم النصر اباذى عن قولهم:
|
و يظهر في الهوى عزّ الموالى |
فيلزمني له ذلّ العبيد |
|
فقال: عز الموالى: الستر، لأنه لو انتهك الحجاب لتفطر الألباب. و هذا آخر الباب السابع عشر. و حاصلها ثلاثة أمور: الأول: تلازم الدلالة على أولياء اللّه للدلالة على اللّه، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر في الغالب. الثاني: تفسير أسرار الولاية، و هي الاطلاع على أسرار غيب الملكوت دون اشتراط الاطلاع على أسرار العباد، لأن ذلك قد يكون فتنة في حقه و سببا في عقوبته إذا لم يتمكن من معرفته مع ما فيه من حظ النفس، فربما تقصده بطاعتها، فيكون رياء في حقها، و هو من الأمراض الباطنية التي يصعب علاجها كالاستشراف إلى
[١] - رواه أبو عوانة في مسنده( ١/ ١٤٧).
[٢] - رواه مسلم( ١/ ١٦١).