ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥١ - ١٦٠ - ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك
قال أبو محمد المرتعش: حججت كذا و كذا حجة عن التجريد، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا، و ذلك أن والدتي سألتني يوما أن أسقي لها جرة ماء، فنقل ذلك عليّ فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحج كانت لحظّ و شوب، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع. و قال الشيخ أحمد ابن أرقم رضي اللّه تعالى عنه: حدثتني نفسي بالخروج إلى الغزو، فقلت: سبحان اللّه إن اللّه تعالى يقول: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف: ٥٣]، و هذه تأمرني بالخير لا يكون هذا أبدا، و لكنها استوحشت تريد لقاء الناس فتستروح إليهم و يتسامع الناس بها فيستقبلونها بالتعظيم، فقلت لها: لا أسلك العمران و لا أنزل على معرفة، فأجابت، فأسأت ظني بها، و قلت: اللّه أصدق قولا، فقلت لها: أقاتل العدو حاسرا بالرأي من غير وقاية فتكونين أول قتيل؟ فأجابت، ثم عد أشياء كلها أجابت لها، فقلت:
يا رب نبهني بها فإني لها متهم، و لقولك مصدق، فألهمت كأنها تقول: إنك تقتلني كل يوم مرات بمخالفتك إياي و منع شهواتي و لا يشعر بي أحد، فإن قاتلت و قتلت كانت قتلة واحدة فنجوت منك، و يتسامع الناس فيقولون استشهد أحمد، فيكون شرفا و ذكرا في الناس لي، فقعدت و لم أخرج ذلك العام انتهى. و قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: ضاقت علي نفسي ليلة حتى لم أطق الصبر، فخرجت ذاهبا على وجهي، فانتهيت إلى رجل مطروح في المقابر مغطى الرأس، فلما أحس بي قال: أبو القاسم، قلت: نعم، قال: متى يصير داء النفس دواءها؟ فقلت: إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها، فقال لنفسه: اسمعي، فقد أجبتك بهذا مرارا، و أنت تقولين حتى أسمع ذلك من الجنيد، قال الجنيد: فانصرفت و ما عرفته انتهى.
ثم فسر الشيخ ذلك الداء الذي يكون خفيّا في الطاعة ببعض جزئياته و هو أعظمها، فقال:
١٦٠- ربّما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك.
قلت: الرياء هو طلب المنزلة عند الناس، و قصد ذلك بعمل صالح، سواء كان ذلك العمل ظاهرا للناس و هو الغالب أو خفيّا عنهم، فقد يكون الرياء في العمل الخفي، فيدخل الرياء عليك حيث لا ينظر أحد إليك، و هذا أصعب من الأول، لأنه أخفى من دبيب النمل، كما في الحديث.