ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٩ - ١٥٨ - من اطلع على أسرار العباد و لم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه، و سببا لجر الوبال إليه
أصل المعاصي، فكان اطلاعه حينئذ على أسرار العباد سببا في جر هذا الوبال: أي العقوبة إليه، و هو التكبر على الناس، و اعتقاد المزية عليهم، و هو سبب البعد عن اللّه، بخلاف ما إذا تمكن في معرفة الحق، و تخلق بأخلاقه، و تحقق بمعاني صفاته و أسمائه، فإنه يكون على خلق الرحمن، فإذا اطلع على معاصي العباد و مساوئهم رحمهم و سترهم و حلم عليهم، و قد قال ٧: «الخلق عيال اللّه، و أقربكم إلى اللّه أرحمكم بعياله[١]»، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء[٢]»، و في الإشارات عن اللّه سبحانه: «عبدي إن استخلفتك شققت لك من الرحمانيّة شقّا، فكنت أرحم من المرء بنفسه[٣]». و روي أن إبراهيم ٧ حدث نفسه أنه أرحم الخلق، فرفعه اللّه حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم و ما يفعلون، فقال: يا رب دمر عليهم، فقال له اللّه تعالى: «أنا أرحم بعبادي منك يا إبراهيم، فلعلهم يتوبون و يرجعون»، و في بعض التفاسير أنه كان يعرج كل ليلة إلى السماء، و هو قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [الأنعام: ٧٥]، فعرج به ذات ليلة فاطلع على مذنب على فاحشة، فقال: اللهم أهلكه، يأكل رزقك و يمشي على أرضك و يخالف أمرك، فأهلكه اللّه تعالى، فاطلع على آخر، فقال: اللهم أهلكه فنودي: كف عن عبادي، رويدا رويدا فإني طالما رأيتهم عاصين، و في رواية أخرى فأوحى اللّه إليه: «يا إبراهيم أين رحمتك للخلق؟ أنا أرحم بعبادي منك، إما يتوبون فأتوب عليهم، و إما أن أخرج من أصلابهم من يسبحني و يقدسني، و إما أن يبعثوا في مشيئتي، فأعفو أو أعاقب، يا إبراهيم كفّر ذنبك في دعوتك بدم قربان، فنحر إبلا، فنودي في الليلة الثانية: كفّر ذنبك بدم فذبح بقرا، فقيل له في الثالثة، فذبح غنما، فقيل له في الرابعة كذلك، فقرب من الأنعام إلى اللّه ما بقي عنده، فقيل له في الخامسة، فقال: يا رب لم يبق لي شيء، فقيل له: إنما
[١] - رواه ابن حبان في المجروحين( ٢/ ٢٣٨)، و الطبراني في الأوسط( ٥/ ٣٥٦)، و أبو يعلى في مسنده( ٦/ ٦٥)، و ابن عدي في الكامل( ٥/ ١٦٢)، و الشاشي في مسنده( ١/ ٤١٩).
[٢] - رواه أبو داود( ٤/ ٢٨٥)، و الترمذي( ٤/ ٣٢٣)، و أحمد في المسند( ٢/ ١٦٠)
[٣] - رواه الحكيم في النوادر( ٢/ ١٨٨).