ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٣ - ١٥٥ - ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر، إجلالا لها أن تبتذل بوجود الإظهار، و أن ينادى عليها بلسان الاشتهار
الإنكار على أهلها قديما و حديثا حتى قال الكفار: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧]، و قالوا: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون: ٢٤]، و وقوع الإنكار على أولياء اللّه سنة ماضية، و حكمة ذلك إجلال و تعظيم لها أن تبتذل و تظهر بوجود الإظهار، و أن ينادى عليها بلسان الاشتهار، فلا يبقى لها سر و لا عز، و لهذا طولب[١] الأولياء بالخمول و استعمال الخراب و التلبيس، قال الششتري رضي اللّه تعالى عنه:
|
إذا رأيت الوجود |
قد لاح في ذاتك |
|
|
هودس و لازم الجحو |
د ذاتك و صفاتك |
|
|
و اضرب بترسك ال |
عقود و ألق عصاتك |
|
و التهودس: التحمق، و الترس: ما يستر به الإنسان مواقع النبل؛ و المراد بالعقود العلائق و الشواغل: أي اضرب بسيف عزمك علائقك و عوائقك، و إلقاء العصى: كناية عن طرح كل ما يستند إليه أو يعتمد عليه من أصحاب أو أحباب، أو أسباب أو حول أو قوة، أو غير ذلك مما يقع الركون إليه، و يحتمل أن يريد بأنوار السرائر معاني الصفات السارية في الذات، و بكثائف الظواهر المحسوسات الظاهرة؛ فلا ظهور للصفات إلا بالذوات الحسية، و لا قيام للذوات إلا بالصفات، فستر اللّه سبحانه صفاته الأزلية اللطيفة، بظهور الذوات البشرية الكثيفة، صونا لسر الربوبية أن يبتذل بالإظهار، أو ينادى عليه بلسان الاشتهار. و الحاصل: أن الأشياء كلها قائمة بين ذات و صفات، بين حس و معنى، بين قدرة و حكمة؛ فستر الحق سبحانه معاني أسرار الذات اللطيفة، بظهور الذوات الكثيفة، و ستر المعنى اللطيف، بالحس الكثيف، و ستر القدرة بالحكمة، و الكل من اللّه، و إلى اللّه، و لا موجود سواه، و هذه الكثائف الظاهرة هي أردية و قمص للمعاني اللطيفة. أو تقول: هي رداء الصون الذي نشر على الكون، فإذا انهتك الرداء أو قطع بقي المعنى سالما، فالتصرفات القهرية إنما تجر الأردية و الستور، دون المعاني و النور، فالحق منزه و مقدس أن يلحقه ما يلحق العبيد، فلتكف عن طلب المزيد، و العجز عن
[١] - بالمطبوع" طلب" و ما أثبتناه أقرب إلى الصواب.