ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣٣ - ١٤٧ - متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء، و إذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك، و عدم صدقك في عبوديتك
الأمير أولئك الكاذبون على اللّه، الصادون العباد عن صحبة أولياء اللّه، لأن ما يشهده العموم منهم يسحبونه على كل منتسب لهم، صادق و غير صادق، فهم حجب أهل التحقيق، و سحب شموس أهل التوفيق، ضربوا طبولهم، و نشروا أعلامهم، و لبسوا دروعهم، فإذا وقعت الحملة و لوا على أعقابهم ناكصين، ألسنتهم منطلقة بالدعوى، و قلوبهم خاوية من التقوى، ألم يسمعوا قوله تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: ٨]، أترى إذا سأل الصادقين عن صدقهم، أيترك المدعين من غير سؤال؟ ألم يسمعوا قوله سبحانه: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: ١٠٥]، فهم في إظهار زي الصادقين، و عملهم عمل المعرضين، كما قال القائل:
|
أما الخيام فإنها كخيامهم |
و أرى نساء الحيّ غير نسائها |
|
|
لا و الذي حجّت قريش بيته |
مستقبلين الرّكن من بطحائها |
|
|
ما أبصرت عيني خيام قبيلة |
إلا بكيت أحبّتي بفنائها |
|
هذا آخر الباب الخامس عشر. حاصلها: آداب المريد في المدح و الذم، و مرجعها إلى خمسة: الأول: ذم النفس عند مدحها بما ليس فيها.
الثاني: استحياؤه من اللّه أن يمدح بوصف لا يشهده من نفسه.
الثالث: أن يرجع إلى يقين ما عنده فيعول عليه، و لا يغتر بظن ما عند الناس فيعتمد عليه.
الرابع: أن يكثر من الحمد و الشكر لمولاه، حيث ستر عيوبه، و أظهر توفيقه و هداه.
الخامس: أن يكون معتدل الحال سليم القلب، فلا يحزن عند الذم و لا يفرح عند المدح.
قال بعض العارفين: إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقال لك بئس الرجل أنت: فأنت و اللّه بئس الرجل انتهى.
و جاء رجل إلى شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه فجعل يمدحه في وجهه، فقال له: يا هذا لا تغرني بقولك، أنا أعرف نفسي حين أكون أفضل الوجود أو أقل الوجود؟ فالوقت الذي نكون فيه ذاكرا لربي أنا أفضل الوجود، و الوقت الذي لا نذكر اللّه فيه