ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٢٢ - ١٤٠ - أباح لك أن تنظر في المكونات، و ما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات، قل انظروا ما ذا في السماوات و الأرض يونس ١٠١ ، فبقوله انظروا ما ذا في السموات فتح لك باب الأفهام، و لم يقل انظروا السموات لئلا يدلك على وجود الأجرام
|
ما خلقت لك العوالم إلا |
لتراها بعين من لا يراها |
|
|
فارق عنها رقي من ليس يرضى |
حالة دون أن يرى مولاها |
|
فأباح لك أيها الإنسان أن تنظر ما ذا في السموات و الأرض من النور اللطيف الذي قامت به الأشياء، و ما أباح لك أن تقف مع ذوات المكونات، تقف مع القشر و تحجب عن اللب؛ و قد تقدم قوله: الأكوان ظاهرها غرة و باطنها عبرة، فمن وقف مع ظاهرها كان محجوبا، و من نفذ إلى باطنها كان عارفا محبوبا، و لأجل هذا السر قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ [يونس: ١٠١]: أي ما فيها من عظمته و معاني أسرار ذاته و كمال قدرته و إرادته و سائر صفاته، فقد فتح لك باب الأفهام جمع فهم: أي فتح لك باب الفهم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب، حتى تعرفه في كل شيء، و تفهم عنه في كل شيء، و لو قال الحق تعالى: قل انظروا السموات لدلك على الأجرام، و سد لك باب الأفهام، و كيف يدلك على الأجرام و هي أغيار و الأغيار مانعة من الدخول إلى شهود الأنوار؟، و مثال ذلك في التقريب لو قال لك قائل: انظر هذه الثلجة لدلك على ظاهر جرمها، و لو قال لك: انظر ما في هذه الثلجة لفتح لك باب الفهم إلى نظر ما في باطنها من الماء، دون الوقوف مع ظاهر جرمها. و اعلم أن الحق سبحانه ندب عباده إلى معرفة ذاته و درجهم إليها شيئا فشيئا، فمنهم من قصر، و منهم من وصل، فدرجهم أولا إلى توحيد الأفعال، و أنه لا فاعل سواه فقال تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ [القصص: ٦٨]، إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: ١٠٧]، وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]، وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣]، و قال في فعل غير الآدمي: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [هود: ٥٦]، و في شأن الطير: ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ [الملك: ١٩]، و قال تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: ٣٨]، أي في قهر قبضتنا، مقدرة آجالها، مقسومة أرزاقها، معدودة أنفاسها، محفوظة أجسامها، معلومة أماكنها، ظاهرة أشباحها، باطنة أنوارها. و قال في توحيد الصفات: و أنه لا سميع و لا بصير و لا قدير و لا متكلم إلا اللّه: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١]، أي دون غيره، فلا سمع و لا بصر