ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٢١ - ١٤٠ - أباح لك أن تنظر في المكونات، و ما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات، قل انظروا ما ذا في السماوات و الأرض يونس ١٠١ ، فبقوله انظروا ما ذا في السموات فتح لك باب الأفهام، و لم يقل انظروا السموات لئلا يدلك على وجود الأجرام
ما عليه كان»، يعني أن الذات العلية كما كانت متصفة بصفاتها و أسمائها في الأزل بقيت كذلك فيما لا يزال، فكان في الأزل ظاهرا باطنا، و بقي بعد التجلي كذلك ظاهرا لنفسه، باطنا عن خلقه، ما تجلى به ظاهرا هو فيه أيضا باطن. و قال القاشاني في شرح «تائية ابن الفارض» ما نصه بعد كلامه: و أظهر الحق تعالى سرد ذاته و صفاته في مظاهر أفعاله، و ما كان لخفائه عليه قبل ذلك كما حكاه عن المحبوبة بلسان الجمع في قوله:
|
مظاهر لي فيها بدوت و لم أكن |
عليّ بخاف قبل موطن برزة |
|
و لكن ليتجلى باسمه الظاهر آخرا، كما كان متجليا باسمه الباطن أولا، و العجب كل العجب أنه تعالى ما ظهر بشيء من مظاهر أفعاله إلا و قد احتجب به كما قال:
|
بدت باحتجاب و اختفت بمظاهر |
على صيغ الأكوان في كل برزة |
|
انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه. و التحقيق أن يقال: الحق تعالى لم يزل متصفا بأسمائه و صفاته في الأزل و فيما لا يزال، لكن ظهور آثارها وقع فيما لا يزال، فكان متصفا باسمه الظاهر و الباطن في الأزل، و ظهر بعد ذلك آثارهما فيما لا يزال، و اللّه تعالى أعلم. ثم بين كيفية النظر و الاعتبار في المكونات لتعرف ظهوره تعالى فيها، فقال:
١٤٠- أباح لك أن تنظر في المكونات، و ما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات، قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [يونس: ١٠١]، فبقوله: انظروا ما ذا في السموات فتح لك باب الأفهام، و لم يقل: انظروا السموات لئلا يدلك على وجود الأجرام.
قلت: إنما أبرز اللّه هذه المكونات و أظهر هذه العوالم ليعرف بها و يظهر نوره فيها، قال تعالى:
وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ [الدخان: ٣٨: ٣٩]، و قال تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥]. قال في «لطائف المنن»:
فما نصبت الكائنات لتراها و لكن لترى فيها مولاها، فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها، تراها من حيث ظهوره فيها، و لا تراها من حيث كونيتها، قال: و لنا في هذا المعنى: