ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٩ - ١٣٨ - لو لا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
و أظهر الصنعة بالذوات، فهو باطن في غيبه، و ظاهر بحكمته و قدرته: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] انتهى، نقله شارح «بداية السلوك» هكذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، فقوله: حجب الذات بالصفات: أي حجب أسرار الذات بأنوار الصفات، و هي أثرها، و قوله: و حجب الصفات بالأفعال، لأن الأفعال ظروف للصفات لأنها أثر من آثارها و مظهرة لها، و قوله: و كشف العلم بالإرادة: أي أظهر ما سبق في علمه بإرادته المخصصة لوقت إظهاره، و قوله: و أظهر الإرادة بالحركات: أي أظهر ما سبق من إرادته بظهور الحركات الدالة على ما أراد، و قوله: و أخفى الصنع في الصنعة: أي أخفى الصانع في صنعته، و قوله:
و أظهر الصنعة بالذوات: أي أظهر قدرته في الأجرام و سائر الذات، و اللّه تعالى أعلم. و قول شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه: في كتابه «في تفسير الذات و الصفات»: إن كل ما هو جلال فهو ذات، و كل ما هو جمال فهو صفات، فإنما ذلك على وجه التشبيه، فإن تجلي الصفات كله جمال، لأنه محل نزهة أرواح العارفين، و به يرتقي أهل الدليل إلى معرفة رب العالمين، و هو الذي شبهه الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه بالرياض في قوله: فرياض الملكوت .. إلخ، و أيضا هو الذي تمكن رؤيته و تحصل المعرفة به، بخلاف تجلي الذات، فإنه جلال محض، إذ لو ظهر ذرة من نوره الأصلي بلا واسطة لاحترق الكون من أصله. و في الحديث: «حجابه النار»، و في رواية «النور، لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره»، فصار تجلي الصفات كله جمال، و تجلي الذات كله جلال، فأطلق وجه التشبيه أن كل ما يشق على النفس فهو ذات، لأنه جلال كتجلي الذات، و كل ما يخف على النفس فهو صفات، لأنه جمال كتجلي الصفات، و اللّه تعالى أعلم. و إنما أطلت الكلام في هذه المسألة لأني لم أر من تكلم عليها و لا من شفي فيها الغليل، و كنت كثير البحث عنها فلم أجد من يشفيني فيها، و هذا ما ظهر لي فيها، و ما أنتجته فكرتي، و اللّه تعالى أعلم، و باللّه التوفيق. ثم استدل على ظهوره في المكونات بقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ [الحديد: ٣]، فأشار إلى تفسير وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ بقوله: