ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٦ - ١٣٤ - من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره، فالحمد لمن سترك، ليس الحمد لمن أكرمك و شكرك
الخلق، أو بشهود المعنى عن رؤية الحس، أو بشهود الموسوط عن الواسطة. و أما خاصة الخاصة فلا يطلبون شيئا و لا يخافون من شيء، صارت الأشياء عندهم شيئا واحدا، و استغنوا بشهود واحد عن كل واحد، فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة فيتلقونه بالقبول و الرضا، فإن كان طاعة شهدوا فيها المنة، و إن كان معصية شهدوا فيها القهرية، و تأدبوا مع اللّه فيها بالتوبة و الانكسار، قياما بأدب شريعة النبي المختار صلى اللّه عليه و آله و سلم. و قد وردت أحاديث في المقامات الثلاثة تعليما للأمة، فقد دعا صلى اللّه عليه و آله و سلم بالستر على المساوئ و منها، و هي العصمة و الحفظ، و طلب مقام الرضا و التسليم لأحكام اللّه القهرية، كل ذلك منشور في كتب الأحاديث فلا نطيل به.
ثم إذا ستر الحق تعالى مساوئك و ذنوبك، ثم توجه الناس إليك بالتعظيم و المجد و التكريم، فاعرف منة اللّه عليك، و انظر من الممدوح في الحقيقة هل أنت أو من ستر مساوئك؟ كما أبان ذلك بقوله:
١٣٤- من أكرمك فإنّما أكرم فيك جميل ستره، فالحمد لمن سترك، ليس الحمد لمن أكرمك و شكرك.
قلت: إذا كان الحق تعالى تولى حفظك برعايته، و ستر مساوئك بستر عنايته، فغطى وصفك بوصفه و نعتك بنعته، ثم توجه الناس إليك بالتعظيم و التمجيد و التكريم، فاعرف منة اللّه عليك، و انعزل عن شهود نفسك، فمن أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ٨٣]، وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: ٢١]، فالحمد في الحقيقة إنما هو لمن سترك لا لمن أكرمك، إذ لو أظهر للناس ذرة من مساوئك لمقتوك و أبغضوك، فاشكر اللّه على ما أسدى إليك من الكرم، و غطى عليك من المساوئ التي توجب أنواع الإذاية و النقم.