ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٧ - ١٢٧ - كيف تخرق لك العوائد، و أنت لم تخرق من نفسك العوائد
تعالى عنه: علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى، و يذل بعد العز، و يخفى بعد الشهرة انتهى. فهذه الأخبار كلها تدل على أن خرق عوائد النفس شرط في تحقق نيل الخصوصية، فمن ادعاها قبل أن يخرقها فهو كذاب كما تقدم عن أبي المواهب. و كتب شيخ شيخنا رضي اللّه تعالى عنه إلى بعض الإخوان: أما بعد، فإن أردتم أن تكون أعمالكم زكية و أحوالكم مرضية فقللوا من العوائد فإنها تمنع الفوائد انتهى. و سمعته رضي اللّه تعالى عنه يقول: من جملة العوائد تتبع الفضائل و كثرة النوافل فإنه يشتت القلب، و إنما يلزم المريد ذكرا واحدا و عملا واحدا، كل واحد مما يليق به أو كلام هذا معناه. فخرق العوائد إبدالها بضدها، كتبديل كثرة الأكل و النوم و بالجوع و السهر، و كتبديل كثرة اللباس بالتقلل منه أو ما خشن من الثياب كالمرقعات و نحوها، و كتبديل الخلطة بالعزلة و الأسباب بالزهد، و الكلام بالصمت، و سوء الخلق بحسن الخلق، و كتبديل حب الجاه و الرياسة بالذل و الخمول، و سقوط المنزلة عند الناس و حب الدنيا بالزهد فيها و الفرار منها، و كاتصافه بالتخلية من الرذائل و التحلية بالفضائل. فإذا تحقق المريد بهذه الأمور خرقت له العوائد على ما يريد حتى يكون بسم اللّه عنده موافقة لكن من اللّه، فيكون أمره بأمر اللّه: وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠]. و لا بد في خرق العوائد الباطنية من شيخ كامل جامع بين حقيقة و شريعة يحملك بهمته، فإذا رميت يدك في نفسك حملتك الهمة و نصرتك القدرة فقتلتها بالمرة. و أما إذا لم يكن لك شيخ فكلما قتلتها رجعت أكبر مما كانت، و لا تموت النفس الحية إلا مع الأموات، كما قال شيخنا رضي اللّه تعالى عنه، هذا الأمر مجرب، و باللّه تعالى التوفيق. و خرق العوائد الباطنية التي هي رفع الحجب و شهود المحبوب لا يكون بمجرد الطلب دون السعي في السبب مع تحقق الأدب كما نبه عليه بقوله: