ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٢ - ١١٦ - أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته، و سيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته
و قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه:
|
طلع النهار على قلبي حتى نظرت بعينيا |
أنت دليلي يا ربّي أنت أولى منّي بيا |
|
و الحاصل أن العارفين باللّه غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق، فهم مع الخلق بالأشباح، و مع الحق بالأرواح، ماتوا و بعثوا، و قامت قيامتهم، و تبدلت في حقهم الأرض غير الأرض و السموات، و برزوا للّه الواحد القهار، فهم يرون الأنوار و الناس في ظلمة الأغيار. كشف لهم في هذه الدار عن أسرار مكنوناته مسدولة عليها قهارية أستاره، و سيكشف لهم في تلك الدار عن أسرار ذاته من غير حجاب الحكمة التي هي أثر صفاته، كما أشار إلى ذلك بقوله:
١١٦- أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته، و سيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته.
قلت: إنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه بواسطة مكوناته؛ لأنك لا تقدر هنا أن تنظر إلى حقيقة ذاته المقدسة في عظمة الجبروت الأصلي بلا واسطة، لضعف نشأتك و إن كان ذلك جائزا عقلا، و لذلك طلبه سيدنا موسى ٧، لكن حكمة الحكيم اقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية، إذ لا بد للحسناء من نقاب، و للشمس من سحاب، و لو ظهر من غير رداء الكبرياء لوقع الإدراك و لم يبق حينئذ ترق، فالترقي في أسرار الذات إنما هو بالنظر إلى أنوار الصفات و هو لا ينقطع أبدا في الدراين، فلا تنال الذات من غير مظهر أصلا، فالمعنى لا يقبض إلا بالحس. هذا مذهب أهل التحقيق من أهل المعاني.
فإن قلت: كيف فرق الشيخ بين الرؤيتين باعتبار الدارين و التحقيق أنها رؤية واحدة لأن المظهر متحد؟ فالجواب أنه لما كان مظهر هذه الدار الحس فيه غالب على المعنى، و الحكمة ظاهرة و القدرة باطنة، و مظهر الدار الآخرة بالعكس، المعنى فيه غالب على الحس، و القدرة ظاهرة، انكشف ثمّ عن حقيقة الذات أكثر مما انكشف هنا، فبهذا المعنى وقع التفريق بين الرؤيتين، و مثله قول