ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٩ - ١١٤ - الغافل إذا أصبح نظر في ما ذا يفعل، و العاقل ينظر ما ذا يفعل الله به
و أما العاقل و هو العارف فقد تحققت في قلبه عظمة ربه، و انجمع إليه بكلية قلبه فأشرقت في قلبه شموس العرفان، و طوى من نظره وجود الأكوان، فليس له عن نفسه أخبار، و لا مع غير اللّه قرار، تصرفه باللّه و من اللّه و إلى اللّه فقد فني عن نفسه و بقي بربه، فلم ير لها تركا و لا فعلا و لا قوة و لا حولا، فإذا أصبح نظر ما ذا يفعل اللّه به فيتلقى كل ما يرد عليه بالفرح و السرور و البهجة و الحبور لما هجم عليه من حق اليقين و الغنى برب العالمين. قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه: أصبحت و ما لي سرور إلا مواقع القدر. و قال أبو عثمان رضي اللّه تعالى عنه: منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته، و لا نقلني إلى غيره فسخطته انتهى. فإذا أراد الفقير أن يكون تصرفه باللّه فلينعزل عن حظوظه و هواه، فإذا أراد أن يفعل أمرا فليتأنّ و يصبر و يستمع إلى الهاتف، فإن اللّه سبحانه يسمعه ما يريد أن يتوجه إليه فعلا أو تركا، و قد جربنا هذا في سفرنا و إقامتنا فكنا لا نتصرف إلا بإذن خاص و الحمد للّه، و صاحب الاعتناء كله هكذا مع التأني، فإن التأني من اللّه، و العجلة من الشيطان، و كثيرا ما كان الشيخ المجذوب الولي العارف سيدي أحمد أبو سلهام ينشدني هذا البيت:
|
تأنّ و لا تعجل لأمر تريده |
و كن راحما بالخلق تبلى براحم |
|
فعليك أيها المريد بالاعتناء بهذا الأمر، وافهم عن اللّه في أمورك كلها، و أنشد على نفسك:
|
اتبع رياح القضا و در حيث دارت |
و سلّم لسلمى و سر حيث سارت |
|
و استعن على هذا الأمر بأدعيته ٧ في هذا المقام كقوله: «اللهمّ إني أصبحت لا أملك لنفسي ضرّا و لا نفعا، و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، و لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، و لا أن أتّقي إلا ما وقيتني، فوفّقني اللهم لما ترضاه مني من القول و الفعل، و في عافية و ستر، إنّك على كل شيء قدير[١]».
[١] - لم أقف عليه.