ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٥٨ - ١٠٨ - سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، و ظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية
للعبودية، كالكبر و العجب و الحسد و الغضب و غير ذلك، فإن تلك أوصاف ذهبت بظهور نور العناية و سابق الهداية، إذ لا تثبت الخصوصية إلا بعد محوها، بخلاف الأوصاف الذاتية فإنها تجامع الخصوصية كما سيأتي إن شاء اللّه، بل هي حجابها و صوانها، و بوجودها وقع الستر و الخفاء لأولياء اللّه تعالى غيرة عليهم أن يعرفهم من لا يعرف قدرهم. قال في لطائف المنن: فأولياء اللّه أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم. و سمعت الشيخ أبا العباس رضي اللّه تعالى عنه يقول:
معرفة الولي أصعب من معرفة اللّه، فإن اللّه معروف بكماله و جماله، و متى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل و يشرب كما تشرب و إذا أراد اللّه أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته، و أشهدك وجود خصوصيته انتهى.
تنبيه: هذا النور الذي أشرقه اللّه في قلوب أوليائه كان كامنا في الروح في أصل بروزها؛ فأصلها نورانية عالمة بأسرار الغيب دراكة للأشياء على حقيقتها، و إنما حجبها عن ذلك سجنها في هذا البدن الطيني و اشتغالها بحظوظه و شهواته، فمن أدبها و ريضها على يد شيخ كامل رجعت إلى أصلها، قال في المباحث:
|
و لم تزل كلّ نفوس الأحيا |
علّامة درّاكة للأشيا |
|
|
و إنّما تعوقها الأبدان |
و الأنفس النّزّغ و الشيطان |
|
|
فكلّ من أذاقهم جهاده |
أظهر للقاعد خرق العاده |
|
فإذا كمل تطهير الروح من الأغيار و أشرقت عليها شموس الأنوار كوشفت بأسرار الذات و أنوار الصفات، فغرقت في بحر التوحيد الذي تكل عنه العبارة، و لا تلحقه الإشارة، و هو التوحيد الخاص الذي أشار إليه الهروي بقوله:
|
ما وحّد الواحد من واحد |
إذ كلّ من وحّده جاحد |
|
|
توحيد من ينطق عن نعته |
عارية أبطلها الواحد |
|
|
توحيده إيّاه توحيده |
و نعت من ينعته لاحد |
|
و مضمنه أن الحق سبحانه تولى توحيد نفسه بنفسه، فكل من ادعى أنه وحده