ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٤٧ - ١٠٣ - العارف لا يزول اضطراره، و لا يكون مع غير الله قراره
سبقت به المشيئة و نفذ به القضاء و القدر، فما بقي الدعاء إلا إظهارا للفاقة، و إبقاء لرسم العبودية، لا طلبا لحصول ما لم يكن جل حكم الأزل أن يضاف للأسباب و العلل، فمتى أطلق لسانك أيها المريد بالطلب لشيء تجلى في قلبك أو احتجت إليه فاعلم أن الحق تعالى أراد أن يعطيك ما طلبت منه، فلا تحرص و لا تستعجل ف كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرعد: ٨]، فإن أطلق لسانك في الدعاء من غير سبب فخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك، كما تقدم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة[١]»، و قال أيضا ٧: «من أذن له في الدعاء منكم فقد فتحت له أبواب الرحمة، و ما سئل اللّه شيئا أحبّ إليه من العفو و العافية[٢]»، و قال الكتاني رضي اللّه تعالى عنه: لم يفتح اللّه لسان المؤمن بالمعذرة إلا و قد فتح له بالمغفرة انتهى. و قال الخفاف رحمه اللّه: و كيف لا يجيبه و هو يحب صوته، و لو لا ذاك ما منح الدعاء، و في ذلك قيل:
|
لو لم ترد نيل ما أرجو و أطلبه |
من فيض جودك ما علّمتني الطّلبا |
|
ثم هذا كله قبل فتح باب المعرفة، و إذا فتح لك الباب فلا تحتاج إلى طلب لغناك بمسبب الأسباب، فيكون دعاؤك إنما هو إظهار للفاقة و الاضطرار اللازمتين لك مع كل نفس، و في كل وقت و حال، كما أشار إليه بقوله:
١٠٣- العارف لا يزول اضطراره، و لا يكون مع غير اللّه قراره.
قلت: أما وجه كونه لا يزول اضطراره فلتحقق قيومية الحق به، إذ الحس لا يقوم إلا بالمعنى، فحس العبودية لا يقوم إلا بمعنى الربوبية، فبقدر تحقق العبد بقيومية الربوبية يشتد اضطراره في ظاهر العبودية، و أيضا العارف لا يزال في الترقي، فهو متعطش للزيادة على الدوام، كما قال النقشبندي رحمه اللّه:
[١] - رواه الطبراني في الصغير( ٢/ ١٩٨).
[٢] - رواه النسائي في الكبرى( ٦/ ٢٢١)، و أبو يعلى في مسنده( ١/ ٧٦).