ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٤٦ - ١٠٢ - متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك
و أشعلتها في الحطب صعدت بها إلى ظهور الجبال، فبقدر ما يصيبها الريح يعظم اشتعالها، كذلك الفقير ما دام في البداية لا يليق به إلا الوحشة من الخلق و الفرار منهم، فإذا تمكن في الشهود فلا يليق به حينئذ إلا الخلطة معهم، لأنهم لا يضرونه، فمتى أوحشك أيها الفقير من خلقه و عزلك عنهم في قلبك فاعلم أنه تعالى أراد أن يؤنسك به، و يغنيك بمعرفته، فقد كان ٧ حين قرب أو ان النبوة و الرسالة حبب إليه الخلوة، فكان يخلو بغار حراء، و حكمة ذلك تصفية البواطن من الشواغل و الشواغب لتتهيأ لقبول ما تتحمله من الأسرار و المواهب، فإذا تطهر من الأكدار ملئ بالأنوار، فأشرقت فيه شموس العرفان، و تمكن من حضرة الشهود و العيان، فهذه سنة اللّه في أوليائه و أصفيائه يفرون أولا من الناس حتى يحصل لهم منهم الإياس، ثم يردهم الحق إليهم رغما على أنفهم لمقام الدلالة و الإرشاد، فينتفع بهم العباد، و تحيا بوجودهم البلاد، و في مثلهم قال الشاعر:
|
تحيا بكم كلّ أرض تنزلون بها |
كأنّكم في بقاع الأرض أمطار |
|
|
و تشتهي العين فيكم منظرا حسنا |
كأنّكم في عيون النّاس أزهار |
|
|
و نوركم يهتدي الساري برؤيته |
كأنّكم في ظلام اللّيل أقمار |
|
|
لا أوحش اللّه ربعا من زيارتكم |
يا من لهم في الحشا و القلب تذكار |
|
نفعنا اللّه بهم و حققنا بمعرفتهم آمين.
ثم إذا فتح لك باب الأنس و تشوقت إلى حضرة القدس ثم أطلق لسانك بطلبها فاعلم أنه يريد أن يفتح لك بابها، كما أشار إلى ذلك بقوله:
١٠٢- متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنّه يريد أن يعطيك.
قلت: لأن الحق تعالى جعل الطلب سببا من الأسباب فإذا أراد أن ينجز للعبد ما سبق له فتح له فيه باب الطلب، فإذا حصل منه الطلب حصل ذلك الذي قسم له في الأزل إظهارا لحكمته و إخفاء لقدرته، و تغطية لسره، فالدعاء من جملة الأسباب العادية كالحرث و الدواء و الزوج في الولد و غير ذلك، و كل ذلك