ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٣٣ - ٩٤ - إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه
و آله و سلم القرآن. و القرآن فيه أوصاف الرحمن. فكأنها قالت كان خلقه خلق الرحمن إلا أنها احتشمت الحضرة، و تأدبت مع الربوبية، و متى منعك أو قبضك أشهدك قهره و كبرياءه، فعرفت أنه قهار جبار، فيعظم خوفك، و تشتد هيبتك و حياؤك منه، فلا جرم أن اللّه يعظمك و يكرمك و يحفظك و يستحيي منك كما استحييت منه؛ فإن اللّه ينزل عبده على قدر منزلته منه، و إنما يطيع العبد ربه على قدر معرفته به و خوفه منه، فهو سبحانه في كل ذلك من إعطاء و منع و قبض و بسط متعرف إليك أي طالب منك أن تعرفه بصفاته و أسمائه، و ما من اسم من أسمائه تعالى إلا اقتضى ظهور ما يطلبه، فاسمه «الكريم» اقتضى الإعطاء و الإحسان و هو ظاهر في خلقه، و اسمه «المانع» اقتضى ظهور المنع فظهر في عباده أيضا، و اسمه «المنتقم» اقتضى ظهوره في قوم وجههم لمخالفته، و اسمه «القهار» اقتضى ظهوره في قوم يقهرهم على ما يريد من منع أو غيره، و ظهر قهره أيضا في عباده بالموت، فهو من مقتضى اسمه القهار، و هكذا كل اسم يقتضي ظهوره في الوجود و كلها في بني آدم، فإذا تحققت هذا في حالة الإعطاء و المنع علمت أيضا أنه تعالى مقبل بوجود لطفه و إبراره عليك، إذ هو متعرف إليك في كل شيء و مقبل عليك في كل وجه، فاطلب أيضا أنت معرفته في كل حال، و اعرف منته عليك في الجمال و الجلال، و أقبل عليه بكليتك و استسلم لقهره بروحك و بشريتك تكن عبده حقّا، و هو ربك حقّا و صدقا، و اللّه تعالى أعلم. و يؤخذ من هذه الحكمة أن المدار إنما هو على قوة الروحانية التي هي المعرفة في الجلال و الجمال، لا على قوة البشرية، لأن بمنعه يحصل للعبد الكمال، و باللّه التوفيق.
ثم هذا كله إنما يذوقه من يفهم عن اللّه كما تقدم، و إليه أشار بقوله:
٩٤- إنّما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن اللّه فيه.
قلت: لأن الفهم عن اللّه يقتضي وجود المعرفة به و لا تكون المعرفة كاملة حتى يكون صاحبها يعرفه في الجلال و الجمال و المنع و العطاء و القبض و البسط،